هل اغتيال صالح هو فتيلُ الحرب في الشرق الأوسط؟

BLOGS السعودية باليمن

لقد تمكنت جماعة أنصار الله (الحوثيين) من اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح هو والأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي ياسر العواضي إثر تفجير المنزل وقبل مغادرتهما من صنعاء إلى مأرب بالسيارة وقد انتشر مقطع فيديو وثَّقَ عملية الاغتيال التي أدت إلى مقتل كلاهما. وفي هذا السياق تبدأ رحلة التفكر في ملابسات هذه العملية وتحليل أبعادها في طرح استنتاجات وسيناريوهات محتملة الوقوع وبشكل كبير، فماذا يعني اغتيال صالح وما هي الخطوة القادمة للحوثيين في الصراع اليمني؟

لا شك أن اغتيال صالح هو بداية لسيطرة الحوثيين على أشكال الحكم في اليمن في رسالة واضحة يقولها عبد الملك الحوثي الزعيم الحالي لجماعة أنصار الله بشعار لا للمعارضة، وعلى الرغم من أن علي عبد الله صالح ابتعد عن السياسة بعد استقالته وبعد أكثر من محاولة اغتيال له إلا أنه لم يبتعد عن مؤتمر الحزب الشعبي الذي يترأسه والذي كان بمثابة السد الواقي والمعارضة الواضحة في إشراك الحوثيين في أشكال السياسة اليمنية وفي إعادة تقسيم وتوزيع الأقطار الرئاسية التي تريد الحوثيين مشاركتها في إطار الدولة اليمنية الواحدة والتي يكون للكل فيها نصيب بعيداً عن الاحتكارات التي كانت موجودة سابقاً للحاشية اليمنية الحاكمة والتي همشت الحوثيين واعتبرتهم جماعة مرتدة على تقاليد الحكم اليمنية الصالحية.

أشكال التهديد الإيراني على مر الزمان انحصر في الشرق الأوسط وبشكل علني والذي بطبيعة الحال يقلقُ المساعي العربية وأخصها الخليجية لعدة محاور أولها فرض النفوذ والهيمنة
أشكال التهديد الإيراني على مر الزمان انحصر في الشرق الأوسط وبشكل علني والذي بطبيعة الحال يقلقُ المساعي العربية وأخصها الخليجية لعدة محاور أولها فرض النفوذ والهيمنة

وفي ضوء تسارع الأحداث يجب أن نفكر في ما بعد الحادثة من وقائع وما ستحمله الأيام القادمة من توقعات:
أولاً: السعودية: لن تقف السعودية مكتوفةَ الأيدي على الامتداد الحوثي في اليمن فمن الممكن أن تقوم السعودية بقيادة التحالف العربي في شن عملية عسكرية واسعة على اليمن في محاولة لوقف هذا التمدد الذي يشكلُ أكبر مخاوفها بكل تأكيد بل ومن الممكن أن تقوم ولأول مرة بالدخول إلى الأراضي اليمنية لمحاولة السيطرة على الحكم بالقوة وبالدخول في حرب كبيرة مع الحوثيين.

ثانياً: إيران: ففي حال تدخلت السعودية عسكرياً في اليمن ستدافع إيران بشراسة وبكافة الطرق عن أتباعها الحوثيين فدخول السعودية الحرب على الحوثيين سيفتح عليها أبواب الجحيم سياسياً وعسكرياً فمن المؤكد ستقف إيران بجانب الحوثيين وستدعمهم عسكرياً واقتصاديا لتعزز من لوجوستياتهم أمام أي تهور سعودي بشن عدوان، فماذا يعني ذلك؟ وما هي أشكال ومحاور هذا الصراع!

أشكال التهديد الإيراني على مر الزمان انحصر في الشرق الأوسط وبشكل علني والذي بطبيعة الحال يقلقُ المساعي العربية وأخصها الخليجية لعدة محاور أولها فرض النفوذ والهيمنة.

 

ففي ظل توسع النفوذ الإيراني بدأ الدور السعودي على الصعيد الإيراني وليس على العربي يتقلصُ شيئاً فشيئاً وما تخشاه السعودية اليوم هو ما كان سابقاً في سيكولوجية النفوذ الإيراني ومفهوم الثورة الإسلامية التي تنخرُ كراسي العرش العربية، تحاولُ السعودية اليوم التقاربَ بصورة أكبر مع بعض التحالفات العربية والغربية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تتشابه في رؤياها وفي قلقها المستمر حيال التوسع الإيراني ولكن خوف الولايات المتحدة ليس على محور الشرق الأوسط العربي بل الإسرائيلي.

 

مع اختلاف الأيديولوجيا والديموغرافيا والجغرافية السياسية ما بين روسيا وإيران في بعض الإشكاليات إلا أننا سنجدُ أن طابع العلاقات ما بين البلدين قوية جداً ومتقاربة لأبعد الحدود من منظور المصلحة القومية

فالتوتر بين إيران وإسرائيل كما هو مع إيران والسعودية بالإضافة لتنظيم حزب الله المتمركز في جنوب لبنان والذي يشترك أيضاً في ضلع من أضلاع الصراع الإيراني كتحالف، فحزب الله وإيران كنموذج يمكن أن نشبههم بنماذج الحرب العالمية الأولى والثانية ما بين الحلفاء والمحور وفي طرح كل منهم أيديولوجياته لتنصيب نفسه على الساحة الدولية وفي هذا الإطار وإذا ما طبقنا ما تحدثنا عنه مضموناً سنستطيع أن نُجمل ونصطفي خلاصة عصارتنا للأزمة الحالية سنصنف دول الحلفاء بالسعودية والإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودول المحور هي إيران وحزب الله وروسيا والحوثيين في اليمن.

 

ومع اختلاف الأيديولوجيا والديموغرافيا والجغرافية السياسية ما بين روسيا وإيران في بعض الإشكاليات إلا أننا سنجدُ أن طابع العلاقات ما بين البلدين قوية جداً ومتقاربة لأبعد الحدود من منظور المصلحة القومية والمكاسب للطرفين والذي يعززُ نظرية التحالف المحوري بين البلدين وفي تكرار الشواهد التاريخية وجدنا احتضان روسي لإيران وبشكل علني.

وهذا كله يأخذنا بالتأكيد لحرب شرسة يتخابطُ فيها الحلفاء والمحور من أجل بسط نفوذه على الأخر حيثُ نجدُ بأن كافة المعطيات والنواتج تدللُ على جهوزية الشرق الأوسط لإشعال النيران فيه استعدادا للدفاع عن المصالح القومية بالدرجة الأولى ولا أستبعدُ على الإطلاق يوماً ما أن نجد الشرق الأوسط عاد لحقبة العشرينيات من القرن الماضي والاكتفاء فقط بتلقي المعونات الخارجية فقد بدأت رائحةُ النفطِ والممرات الجغرافية تغري المطامع الغربية في ضرورة ملحة لإعادة تشكيل وتقسيم العالم العربي لسايكس بيكو جديد من نوعه.

 

فما هي مبررات الغرب لهذا التقسيم دون إحداث الفوضى أولاً والتي تشكلُ ساتراً قانونياً ومبرراً صريح في التدخل بالشؤون الداخلية للدول بادعاء حفظ السلم والأمن الدوليين وبعد ذلك تنهبُ الخيرات ثم تتمنن على العرب بها، وبطبيعة الحال انتقال الصراع الغربي للشرق الأوسط ليس بجديد حيث ستكون ساحة الحرب فيها بدلاً من تمركزها على حدود بعضهم البعض فهي أوفرُ وأقلُ ضرراً سواء أكان اقتصاديا أو إنسانياً متمثل بخسائر في الأرواح.

وسنجدُ أن أرض سوريا خصبة جداً لهكذا نوع من الصراع بالإضافة إلى ليبيا واليمن بطبيعة الحال حيث عند التفكر جيداً سنجدُ أن الربيع العربي وحالة الفوضى العارمة كانت فتيلاً ناجحاً لهكذا تخطيط يضعف العرب والعروبة تمهيداً لنهب وتقسيم أوطانهم.

الفترة المقبلة تحمل في طياتها الكثير من الأحداث وسنجدُ أيضاً تقارباً إسرائيلياً سعودياً في إطار تعاون مشترك لدحض وتمزيق العضلة الإيرانية من محاولة المساس بمقتدرات الأنظمة العربية والإسرائيلية المشتركة بغطاء أمريكي يقتضي بضرورة الشراكة من أجل كبح إيران.

كينونة الدين أصبحت عقدةُ الصراع بالقرن الواحد والعشرين فمن بين النهج الإسلامي المتشدد لداعش وصولاً للشيعة والحوثيين إلا أن نقطة الصراع واحدة لكل مذهب باعتقاده أنه هو الصحيح
كينونة الدين أصبحت عقدةُ الصراع بالقرن الواحد والعشرين فمن بين النهج الإسلامي المتشدد لداعش وصولاً للشيعة والحوثيين إلا أن نقطة الصراع واحدة لكل مذهب باعتقاده أنه هو الصحيح
 

وفي حال لم تدخل السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، سيبادر الحوثيين بذلك فستزيد الصواريخ والعيارات النارية بشكل أكثر من المعتاد وأكثر من طاقة الاحتمال حيث ستضطرُ السعودية دخولَ هذه الحرب من محض إرادتها المطلقة أو رغماً عنها ففي كلتا الحالتين ستدخلها لذلك ينبغي أن تتدارك الموقف بالحيلة وبغطاء شرعي ودولي يُجيز التدخل السعودي في اليمن.

فكينونة الدين أصبحت عقدةُ الصراع في القرن الواحد والعشرين فمن بين النهج الإسلامي المتشدد لداعش وصولاً للشيعة والحوثيين التي تتبع المذهب الزيدي وغيرها من الطوائف ومع اختلاف تشريعاتهم واقتباساتهم إلا أن نقطة الصراع واحدة لكل مذهب باعتقاده أنه هو الصحيح وأن الثمن الذي يجب أن يُدفع هو الاستماتة من أجل دحر كافة من يخالف نهجهم.

فحتى لو أطبق الحوثيين حكمهم على كافة البلاد لن يستمر حكمهم طويلاً فهم لا يفقهون شيئاً بالسياسة ولا بالاقتصاد، لن يطولَ عرشهم طويلاً، دائماً في الصراعات الدينية تنتصرُ الشاخصة الدينية الاعتبارية بحكم الواقع وتأثير الطابع الديني على البلاد ثم بعد ذلك ستنهار وتعادُ الكرة مرة أخرى، السياسة تحكم من جديد ومثقفي اليمن سيبرزون أكثر وحبرُ أقلامهم لن يجفَ قبلَ أن ينتهي الصراع الديني السياسي على الحكم بانتصار السياسة على الدين فنحنُ كجمهور نحبُ الدين وفعلياً نكرهُ تطبيقه نحبُ مبادئ الدين في دحر الافتراسات السياسية والفساد السلطوي والمعايير السياسية اللاأخلاقية في بعض الأحيان إلا أنه بواقع الحال عند نجاح الحكم الديني الوصول إلى سدة الحكم نتعجبُ من فشله في إدارة حكم البلاد لنحاربَ الدين بعد ذلك ونطالب السياسة لتعودَ من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان