كيف أخطأنا فهم العلمانية؟

blogs العلمانية

في التدوينة السابقة قدمنا البرهان من قصة طالوت في القرآن على أن العلمانية، بمفهومها المعجمي البسيط، تعد مبدءا قرآنيا واضحاً وضرورياً. واضحا لأن قصة طالوت لا تحتمل تأويلا مقنعاً غير الذي تقدم. وضرورياً لأن طمس الحدود بين ظاهرتي الدنيا والدين غير ممكن من الناحية العملية، وغير مقبول من الناحية الدينية. إذ لا يجرؤ عاقل على القول بأن الدنيا مظهر من مظاهر الدين، وأن الفرق بينهما كالفرق بين الضوء والنار، ومثلما أن من المحال الفصل بين النار والضوء فكذلك من المحال الفصل بين الدين والدنيا.

إن هذا النوع من الاستدلال الافتراضي إذا حدث فإنما يخدم المنهج التلفيقي الذي بررت به من قبل عقيدة التثليث المسيحي مثلا. حيث يعتقد المسيحيون أن الآب والابن والروح القدس، ثلاثة تجليات مختلفة لحقيقة واحدة هي الله، تماماً مثلما أن الضوء والحرارة والكثافة ثلاثة تجليات لحقيقة واحدة هي النار. والنهاية المنطقية لهذا النوع من التأويل هو الوقوع في فخ "وحدة الوجود" في الفلسفة الغنوصية، التي تفتح بدورها أبواب التأويل على العدمية في نهاية المطاف. لكن من حسن حظنا أننا لم نسمع بعد من يزعم أن الدين والدنيا مظهران لحقيقة واحدة. وهنا يأتي السؤال: ماذا يقصد الرافضون للعلمانية إذن حين يقولون إن الإسلام لا يعترف بالعلمانية؟ 

ما دام أن تصنيف دائرة الإباحة مسألة اجتهادية، فالموقف من العلمانية أيضا مسألة اجتهادية. وهذه حجة على الأصوليين من داخل المنظومة المذهبية التي يتبنونها

إنهم يعتقدون بأن الإسلام، بمنظومتيه القيمية والتشريعية، يهيمن هيمنة كاملة على حياة الناس. ويقصدون بهيمنة التشريع الإسلامي أن الفقه، بأصوله وأحكامه التفصيلية، يضع حكماً شرعيا لكل فعل من أفعال المكلف. فأفعال الإنسان كلها لا تخرج عن خمسة أحكام هي: الواجب، المحرم، المستحب، المكروه، المباح. والنشاطات التي قد نراها دنيوية خالصة كالرياضة والفن هي عندهم من الأفعال التي يمكن وصفها بأحد الأحكام الخمسة السابقة، وإن كان الأصل فيها الإباحة. إلا أن الإباحة عند بعضهم حكم شرعي. وبناء على هذه المقدمة يستنتجون أن الدين لا يعترف بوجود مساحة دنيوية فارغة خارج سيطرته!

لكن هذا الكلام الذي يبدو متماسكا من الناحية الشكلانية سرعان ما يتصدع أمام طرقات الحقائق الآتية:

أولاً: قولهم إن الإباحة حكم شرعي هو قول بعض الأصوليين منهم وليس عليه إجماع. فهناك من يرى أن مساحة المباح هي مساحة "العفو" الواقع خارج التصنيف الشرعي. ووجود هذا القول عند الأصوليين هو اعتراف بالمستوى الأول من العلمانية كما نسميه. أي مستوى التمييز بين ظاهرتي الدنيا والدين. وما دام أن تصنيف دائرة الإباحة مسألة اجتهادية، فالموقف من العلمانية أيضا مسألة اجتهادية. وهذه حجة عليهم من داخل المنظومة المذهبية التي يتبنونها.

ثانياً: منظومة الأحكام الخمسة، استنباطاً وتنزيلاً، تقوم على فكرتي الاجتهاد والفتوى، في صورتيهما المذهبية التقليدية. أي الاجتهاد والإفتاء وفقاً للشروط التي وضعها الفقهاء. وهذه المنظومة بشروطها ليس لها أساس شرعي بالمرة. ليس هناك دليل شرعي قطعي يطلب أو يسمح بعملية الفتوى ووظيفة المفتي. حتى أن موسوعة أصولية ككتاب "أعلام الموقعين عن رب العالمين" لابن القيم، قد خلت من الشواهد القرآنية المؤصلة لعملية التوقيع عن رب العالمين!

وعندما شعروا قبل ذلك بهذه الفجوة فتشوا عن نص قرآني فلم يجد بعضهم سوى قوله تعالى: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ" النساء 83. ويفضل المتأخرون منهم الاستشهاد على شمولية الأحكام الشرعية بقوله تعالى: "قلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" الأنعام: 162. والاستشهاد بهاتين الآيتين على مشروعية الإفتاء يكشف لنا مظهرا آخر من مظاهر أزمة العقل الإسلامي. وهو المظهر الأخطر بالنسبة للحالة الدينية. أعني أزمة فهم اللسان العربي.

إن استنباط دليل مشروعية الإفتاء من الآية الأولى يشبه استنباط دليل عدم كروية الأرض من آية: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا". أو استنباط أن السماء امرأة ضخمة ذات فستان أزرق شفشتي، ونحن عالقون في فستانها، والمطر دموعها، من آية: "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ".

من الممكن أن يكون لدينا دولة علمانية ذات مرجعية إسلامية. إذا اشترطنا فقط أن تكون القيم الإسلامية العامة، وليس الأحكام الإسلامية، هي المرجع الأعلى للقانون في البلد
من الممكن أن يكون لدينا دولة علمانية ذات مرجعية إسلامية. إذا اشترطنا فقط أن تكون القيم الإسلامية العامة، وليس الأحكام الإسلامية، هي المرجع الأعلى للقانون في البلد
 

هذا النوع من التأويل فيه هدر لدلالة السياق، واعتساف يفتح الباب لكل أنواع التأويل المنحرف. وإلا فإن سياق الآية واضح جداً هو الحديث عن مسألة أمنية تخص جماعة النبي وحده. وألفاظ "الأمن والخوف" قرينة حاسمة في المعنى. والآية تعلم الصحابة درسا في الجندية والانضباط، حيث توجه برد الأمور غير المفهومة في جانب الأمن إلى الرسول بوصفه رئيس الجماعة، وإلى من دونه من الأمراء. وعبارة "أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" كانت كافية للدلالة على هذا المعنى، لولا أن الرغبة في توجيه النص كانت سابقة.

 

الآية إذن تتحدث عن النبي في مقام ولاية الأمر لا في مقام البلاغ والنبوة. وهو مقام زمني ينتهي بوفاة النبي. وهذه الآية مثلها مثل آيات أخرى كثيرة تخص زمن النبي وحده، إلا إذا قالوا إن آيات الأحكام المتعلقة بنساء النبي وصحابته، ما زالت سارية المفعول!

أما آية الأنعام فأقصى ما تدل عليه هو أن الإسلام ذو طبيعة شمولية على مستوى القيم والمبادئ لا على مستوى الأحكام والقوانين. وعبارة "مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" كناية عن هيمنة القيم الإسلامية والرؤية الإسلامية على كافة نشاطات المؤمن. وهذا أمر مختلف تماما عن هيمنة الأحكام الخمسة. ولا تعارض بينه وبين الاعتراف بحدود الظاهرة الدنيوية العلمانية. ومن الممكن جدا أن تجتمع الصفتان في مركب واحد دون أي تناقض. أي أن من الممكن أن يكون لدينا دولة علمانية ذات مرجعية إسلامية. إذا اشترطنا فقط أن تكون القيم الإسلامية العامة، وليس الأحكام الإسلامية، هي المرجع الأعلى للقانون في البلد. وشتان بين دولة علمانية ذات مرجعية قيمية إسلامية، ودولة علمانية ذات شريعة إسلامية!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان