أول يوم من أيامي الإعلامية الذي رأيتني فيها أنتقم وأثأر لمن شردني وأبعدني عن وطني لعقود كان ذلك في (فبراير/شباط) من عام 2011 يوم كنت أغطي ثورة اليمن السعيد، لم يكن الفارق كبيراً لدي بأن يكون الطاغية بحجم علي عبد الله الصالح أو حافظ الأسد أو بشار الأسد وما قبلهما وما بعدهما.. فالقيم لا تتجزأ، وحين أنتقم من أحدهم فكأنني أنتقم منهم جميعاً.
كنت شاهداً على جمعة الكرامة يوم 18-3-2011 حين استخدام الرصاص الحي من قبل عبيد الطاغية علي عبد الله الصالح فارتقى يومها العشرات شهداءً وسقط المئات جرحى، واستخدمت زبانية علي عبد الله الصالح يومها الغازات المسيلة للدموع ممن انتهت صلاحيتها، بيد أن عيون اليمنيين واليمنيات يومها كانت تحكي مجلدات من الصبر والمصابرة والإصرار على بلوغ ثورة فبراير إلى شطآن النصر والتمكين.
كنت قبلها قد دعانا الرئيس الراحل علي عبد الله الصالح إلى مؤتمر صحافي محدود يشرح لنا بأسلوبه المتعالي ما يجري ضده من مؤامرات، ويستفيض أيضاً بسرد طريقة رقصه مع الأفاعي أو على الأفاعي لا فرق، ولكن في النهاية تمكنت هذه الأفاعي من لدغه على الرغم من أن غالبيتها ليست سامة، لكنه اختار في نهاية مشواره السياسي الأفاعي السامة منها.
لم تُعجب السلطات اليمنية تغطية الجزيرة يومها، كما لم تعجبها سلطات أسد والقذافي ومبارك وزين العابدين، فقررت في ليلة ظلماء بعد يوم مضني من العمل المهني حين أعلن الفريق علي محسن الأحمر انحيازه للثورة والثوار ترحيلي كمراسل للجزيرة من اليمن، فكان لها ذلك، ويومها أدركت تماماً أن الرجل ماض في الرقص مع الأفاعي ومناوراته المعهودة التي عرفها كل من عاصره سياسياً، فانقلب السحر على الساحر بعد أن افتضح أمام شركائه المتشاكسون فعرفوا خلطته السحرية، فسهل عليهم التعامل معها بالأمس.

حين رأيت جثة علي عبد الله الصالح بهذا الشكل المهين، تذكرت جثة الطاغية الليبي معمر القذافي يوم سحبه الثوار من الصرف الصحي فقتلوه شر قتلة، وتذكرت معه شنق طاغية أفغانستان نجيب الله يوم دخل مقاتلو حركة طالبان أفغانستان كابول في سبتمبر من عام 1996 فكان أول عمل قاموا به سحله من مكتب الأمم المتحدة إلى وسط العاصمة ليُعدم بطريقة أنصفت كل من دفنهم أحياء وأموات في أقبية سجون مخابراته الخاد ثم الواد التي حكمها لأكثر من عقد، لكن للإنصاف حال نجيب الله كان أحسن حالاً من علي عبد الله الصالح فشركاؤه الذين تعاونوا معه من جماعة أحمد شاه مسعود لم يغدروا به ولم يقتلوه وإنما قتله أبناء عرقيته البشتونية المعارضين له عقدياً وإيديولوجياً من حركة طالبان، فأنصفوا كما قالوا كل ضحاياهم من آبائهم وأجدادهم ممن رحلوا أيام الجهاد الأفغاني.
وبغض النظر عمّن قتل طاغية اليمن، ممن انقلبوا على الثورة والشرعية، وتحالفوا مع الطاغية ضد ثورة اليمن العظيمة، وبغض النظر عن تحالفهم مع الاحتلال الإيراني للشام وللعراق مباشرة، ولليمن بطريقة غير مباشرة، إلاّ أننا فرحنا وسنفرح لرحيل كل طاغية، ولعل طاغية الشام يتحسس رقبته اليوم فطالت وطال معها إجرامه.. وبانتظار وعد الرسول عليه السلام لكل طاغية "حتى إذا أخذه لم يفلته"، فهذه الثورات المجيدة باقية كشعوبها.. وأعمار الطغاة والمتحالفين معهم والثورات المضادة وسدنتها قصار قصار، ومن يعش بالسيف بالسيف يمت.
وأخيراً تجدني لا أستطيع مقاومة أن أختم هذه المدونة بأبيات شعر شاعر اليمن العظيم البردوني وكأنه يعيش بيننا اليوم متحدثاً عن معشوقته صنعاء:
ترمي أوراقاً ميتة
وتلوح بالورق الأنضر
وتظل تموت لكي تحيا
وتموت لكي تحيا أكثر
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

