العنف الاجتماعي ينهش في مصر

Blogs- egypt society
كنت مغرمًا في صغري بقراءة صفحات الحوادث، لا أدري لماذا، ولكن كانت قصص اللصوص الظرفاء تغريني دائمًا، وكانت القصة دائمًا تتنهي ببراعة رجال الشرطة في ضبط المتهمين أو هكذا على الأقل كانوا يصوروا لنا.
 
عندما أتذكر ما كنت أقرأه في صغري عن الحوادث المختلفة، وأقارنه بما نسمعه هذه الأيام من بشاعات على صعيد الجرائم المجتمعية، أستغرق استغرابًا مما حدث في المجتمع المصري، كيف حدث هذا التحول العنيف في أشكال الجرائم وأنواعها بل وأطرافها الذين قد يكونون أشقاء أو من ذوي روابط قوية.
 
لم يعد العنف ظاهرة فردية، بل أصبح موجة مجتمعية بفعل ظروف اقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها، إذ تراكمت عمليات التعنيف للفرد في مصر، ما أنتج في النهاية قنبلة موقوتة تهدد من حوله بالانفجار في أي وقت، تحت أثر ضغوط اقتصادية أو أخرى اجتماعية. لم نكن نسمع عن هذا الكم من الجرائم في الريف المصري على سبيل المثال منذ سنوات، كون هذه المناطق نموذج لسهولة السيطرة الأمنية والهدوء النسبي، حيث الهويات معروفة بشكل كبير، والروابط الاجتماعية كانت تعمل على كبح جماح العنف إلى حد كبير.
 
إلا أننا مؤخرًا بتنا نسمع عن كم من الحوادث الغريبة، والتي تنم عن أن ما كان من هدوء في الماضي، إنما كان هدوء ما قبل العاصفة، إذ سعّرت الدولة المواطن في مصر بأدواتها الأمنية غير الاحترافية، ومارست عليه أقسى أنواع القهر، ناهيك عن تعرضه للفقر وسياسات الإفقار التي لم تتوقف يومًا، بالإضافة إلى العنف السياسي الذي يمثل النموذج الأمثل في تفسير تنامي العنف بين طوائف المجتمع المحتقن.
 
شاب يغتصب رضيعة، سائق يقتل راكب بسبب الخلاف على جنيهات، أب يقتل أبنائه وزوجته بعد وقوعه في الديون، منحنى مثل هذه الأخبار في ازدياد واضح على صفحات الجرائد، إذ تتحول إلى قضايا رأي عام، لكنها لا تأخذ حقها كما كان في الماضي، لأن جرائم أبشع تأتي وتغطي عليها.
 
فثمة إصرار من الجانب المنظومة الأمنية في مصر على تصوير كل هذه الجرائم بشكل طبيعي، وأن المجتمع في حالة سلام دائم، حتى لا تضطر إلى البحث عن تفسير حقيقي لهذه التغيرات المجتمعية العنيفة
فثمة إصرار من الجانب المنظومة الأمنية في مصر على تصوير كل هذه الجرائم بشكل طبيعي، وأن المجتمع في حالة سلام دائم، حتى لا تضطر إلى البحث عن تفسير حقيقي لهذه التغيرات المجتمعية العنيفة
 

ربما لن تستغرب عندما تعرف أن  مصر فى المركز الثالث عربيًا في مؤشر معدلات الجريمة، إذ شهدت زيادة جرائم القتل العمد بنسبة 130% والسرقة بالإكراه 350%، كما يذكر تقرير صدر العام الماضي فى موسوعة قاعدة البيانات «نامبيو» الذي يؤكد أن مصر جاءت فى المركز الثالث عربيًا فى ترتيب مؤشر الجريمة، بعد ليبيا والجزائر، وأن الجرائم في مصر تنوعت الجرائم ما بين قتل وسرقة واغتصاب، والتجارة فى الأعضاء البشرية.

                     
هذه المعدلات التي تتزايد بسرعة جنونية تشير إلى أن هذا العنف الاجتماعي الصارخ الذي ينهش في جسد المجتمع المصري، يمثل نوعًا من التفريغ والتنفيس من المجتمع ضد بعضه البعض بعيدًا عن السلطة، وهنا لا نتحدث من زواية جنائية فقط أي لا نفسر وقوع الجرائم من جانب جنائي أمني فقط. فالبعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي حاضر بقوة في المشهد ولا يغيب عنه، إذ أن كل مجتمع لا يُخلو من الجرائم الجنائية، أما هذه الصورة المتنامية في مصر لا يمكن قصرها على الحالات الاعتيادية.

 

فثمة إصرار من الجانب المنظومة الأمنية في مصر على تصوير كل هذه الجرائم بشكل طبيعي، وأن المجتمع في حالة سلام دائم، حتى لا تضطر إلى البحث عن تفسير حقيقي لهذه التغيرات المجتمعية العنيفة. إذ سيأتي سؤال السياسة والمجال العام في مقدمة التفسيرات، وسيأتي سؤال الاقتصاد الصعب، وكذلك سنبحث عن تغول صفات الوحش الأمني في مصر وانعكاسه على المجتمع، لذا ربما سيكون الخطر الأول على مصرهذا التفسخ المجتمعي وترجمته إلى صور عنف أوسع مما يتواجد عليه. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان