شعار قسم مدونات

ما أطيب الوصل حين تقتربُ

blogs- المسجد النبوي
شَيْخٌ بِيَثْرِبَ يَهْوَانَا وَلَمْ يَرَنَا    هَذِي هَدَايَاهُ فِينَا لَمْ تَزَلْ جُدُدَا

 يُحِبُّنَا وَيُحَابِينَا وَيَرْحَمُنَا         وَيَمْنَحُ الأَضْعَفِينَ المَنْصِبَ الحَتِدَا

          

هي المرّة الأولي التي أزور فيها الروضة الشريفة، طريق طويل بالسيّارة مأخوذة أنا بكل ما فيه، أطوى ساعات السفر في التفكير بالزيارة المرتقبة، خفقان القلب الذي لم يهدأ ما أن وصلنا حدود المدينة المنورة ومن ثمّ تتبع الخُطى بين مسجد يثرب أولّ مرسي الوصول والبقيع الذي يُوارى ثراه الأحبة ممن نتمنى لُقياهم، رحلة في طرقات طيبة التي كانت قبل اليوم خيال مرسوم بالكلمات والحكايات المرويّة على مسامع الصغار.

 

أعود بذاكرتي إلى المرة الأولي التي أدركت فيها "الوجود الحىّ" للنبي صلوات الله وسلامه عليه، عندما بزغت أولّ لمعة في العين وأمي تحكى لنا عن النبي الكريم الذى يُحبّنا ولم يرنا، يقول "أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني"، أفكر،  قد حُزنا حباً من غير جَهدٍ فكيف إذا ما أسلمنا وأطعنا وبلغنا الرضا والرضوان!

 
هكذا تشكّل خيال طفلة عن نبيها الكريم حتى صار نعيم الجنّة في عقلها هو هذا المشهد المروىّ عن "شربة الماء " من اليد الشريفة، ثمّ حمى وطيس الحماس تشحذ فكرها كيف تبلغ مرتبةً يعرفها النبي بها حتى يكون لها النداء باسمها من بين العالمين. خيال تجذّر بالحب والشوق على غير علمٍ، فقط كلماتٌ قليلة كانت سبيلاً للتعلّق، وباباً للبحث من بعد ذلك.

  

يمضي العمر ونكابد الحياة بفتنتها وشقوتها، ويبقي طيف ذلك الخيال البعيد حاضراً بقوةِ من يتعطش لمزيد من القُرب بالمعرفة، تعرف أكثر، فتفهم أكثر عن هذا الرجل الذي اعترك قسوة الحياة فطوّعها بيمينه، الإنسان الذي اختبر كل أنواع البلاء واهتدى إلى حكمته فلم يجزع، عن بديع الصُنع الرباني في التربية والتقويم والهِداية.

  

لا تكاد ترى فيه موقع قدمك، لكنّ كلٌ في عالمه الخاص يتيه في أفكاره ومشاعره، لحظة غاية في الجلال والهيبة، غرق تامّ في حضرة الشوق والحنين والرجاء 
لا تكاد ترى فيه موقع قدمك، لكنّ كلٌ في عالمه الخاص يتيه في أفكاره ومشاعره، لحظة غاية في الجلال والهيبة، غرق تامّ في حضرة الشوق والحنين والرجاء 
 

أمام ستائر الروضة وفود المحبين تنتظر، أجناس مختلفة وألوان متباينة وحده الشوق قاسما مشتركاً بين الجميع، لغة أخرى لعالم آخر يقبع خلف أمتار محدودة، بهجة وفرحة تسري في الأجواء من غير كلام، وعلى صخب الزحام ثمّة هدوء عجيب راقد في العيون، ما جاء بهؤلاء غير الإيمان وما جاء بالإيمان غير نبي أرسلته رحمات السماء، فكان له الحبّ على قدر ما أجهد عمره في تبليغ الرسالة.

  

على أعتاب الروضة المُكرّمة، أقف على الخط الفاصل بين الأحمر والأخضر، بضع خطوات فقط تفصلني عن كل الأمنيات المُنتظرة، زحام شديد لا تكاد ترى فيه موقع قدمك، لكنّ كلٌ في عالمه الخاص يتيه في أفكاره ومشاعره، لحظة غاية في الجلال والهيبة، غرق تامّ في حضرة الشوق والحنين والرجاء بوصول السلام حارّا كما في قلبك، وعلى عكس ما توقعت وتجهزت، تاهت كل الكلمات، كل الدعوات وكل الحكايات، ولا يطيف بذاكرتي سوى قولهم " كل مصيبة دون رسول الله تهون".

  

دقائق معدودات تخرج من بعدها إلى العالم مرّة أخرى ولكن بحال آخر، مغسول من أحزانك، مستبشراً بذلك السلام المُرسل إلى عالم الغيب، وتفكر أنه في لحظة سرمدية ما كان هناك ملكُ يُقرأ نبيك الكريم سلامك، وقد ردّ عليك السلام، تطمئن أن شاهد محبتك قد صعد إلى السماء، فما حبّ الرسول إلاّ امتنانٌ لـخالقه أن أرسله لنا، فهو حبٌ موصول بالله ولله.. فصلي اللهم وسلم علي محمد وآله وصحبه أجمعين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.