شعار قسم مدونات

حقيقة الرواية

Blogs-book

في الآونة الأخيرة باتت تكتسح كُتب الروايات في أيدي الكثير من الناس والجميع يريد قراءة الروايات، أصبحنا نُشجع كٌل من يعرف بنفسه روائي. ولكن هل مفهوم الرواية واضح لدينا؟ هل يمكن أن نأخذ الروايات العامية على محمل الجد؟ هل للرواية شكل معين؟ هل يمكننا ان نُلقب أي كاتب بالروائي؟ في الواقع هناك الكثير من الحقائق تركنا خلفنا حتى ظَن البعض بأن الرواية هي مُجرد قصة وشرطها أن تتجاوز المئة صفحة.

 

إن الرواية أعظم من هذا المفهوم فمن خلال الرواية يمكننا ان نتعرف العديد من الثقافات والقضايا وأن نتصور المستقبل. وبرأيي أن قراءة الرواية لها أثر أكبر وأعمق من كتابة المقالات أو الخواطر. يمكننا أن نستدل مثلاً بأدب المقاومة فمن خلاله رأينا معاناة الشعوب، أو أدب السجون وفيها سمعنا عن التعذيب الذي يحدث لدى المعتقلين، هذه القصص تكون أقرب للوجدان من قراءة مقال سياسي يشرح أعداد المُعتقلين في السجون ظُلما، أو خاطرة تتحدث عن المُقاومين في فلسطين. لهذا أجد أن مهمة الكاتب الروائي هي مهمة كبيرة فمن خلاله يستطيع بسرد القصص الممتعة أو الأفكار المغيبة لدى العالم، ولذلك على كُل من يطمح لأن يصبح كاتب روائي الفهم أن فن الرواية هي فكرة لا أوراق تُغلف لتنجز عمل روائي فحسب. 

 
لتُصبحَ كاتب روائي، فإن ذلك لا يعني أن تستيقظ الفجر لكتابة أسطر الفصل الأخير للرواية، سماع موسيقي كلاسيكيه، أو شرب كوب قهوة يجعلك أكثر نشاطاً، العزلة والاعتكاف في المنزل لشهور لكتابة رواية عظيمه. يؤسفني القول بأن هذه الطقوس لن تجعل منك روائياً حقيقياً ولن تَبلغ إلى هذه المرتبة إطلاقاً. 

في منظوري الشخصي كون الكاتب الروائي فناناً، عليه أن يستدعي الجنون لكتابة أسطر رواية، يَفتعل الكثير للالتقاء بشخصيات روايته، يُشاطر مشاعره على الورق، فيكتب عند حُزنه للمشاهد التعيسة، ينقل خوفه وفرحه وجميع حالاته لشخصيته في الرواية كي تبدو حقيقية. الروائي الناجح لا يُملى عليه الكتابة في ساعة معينه، قد يجلس أمام الجهاز الكمبيوتر أو آلة الكتابة، 9 ساعات متواصلة لِيُكمل كتابة صفحة واحدة في اليوم، وكما أن هُناك من يقضي يوماً كاملاً معتكف في حجرته ليكتب فصلاً كاملاً من الرواية كما فعل كافكا في إحدى رواياته. 
 

الروائي يُعاني أيام، أشهر، أو سنة. وأحياناً تصل لسنوات، وهذا ليشارك قُرائه بفن حقيقي وكلمات تلامس الوجدان.
الروائي يُعاني أيام، أشهر، أو سنة. وأحياناً تصل لسنوات، وهذا ليشارك قُرائه بفن حقيقي وكلمات تلامس الوجدان.
 

من يعتقد أن كُل كاتب روائي بإمكانه أن يُولد المفردات واللغويات كُلها بسهوله فهو مُخطئ كُلياً. هُناك قاعدة يَجب أن تُعرف بأن للروائيين سيدة إلهام تَطل بهم متى ما تشاء لتهمس الأفكار الإبداعية، وهي تأتي على فترات مختلفة تبيت أحياناً ثم تختفي. وقد تُفاجئ زياتها في أوقات غريبة وغير متوقعه. ولا يمكن للروائي بتجاهلها فهي تُلقي كَلمتها مره واحدة في الذاكرة قد يأتيه في صباح يوم كئيب، أو ربما في وجبة الغداء مع الأحبة، في الليل حيثُ لا ضوء أمامه. ولذلك تجده يحمل تِلك المُذكرة الصغيرة في جيبه، يكتب أسطر الإبداع في مُذكرته حتى تبقي في الذاكرة ويعيد صياغتها في ساعات كتابة الرواية. 
 
وحتى سيدة الإلهام، تلك السيدة النرجسية. لا تُعطي كُل شيء للكُتاب فهي تترك بعض الأشياء على الروائي بفعلها. تُحب بأن تَدفعهم للقيام بأفعال جنونيه. هل تعتقد بأن هناك روائي عاقل يقوم بتجسيد الحوار الذي يدور بين شخصياته أمام مذكرته ليكتب! إذن ماذا عن ذلك الكاتب الذي كانت إحدى شخصياته عمياء وقرر كاتبها في خوض تلك التجربة ذاتها والعيش أيام دون أن يرى! يتلمس ويتحسس جميع حاجيات بيته ويتعرف بها وكأنها المرة الأولى، فقط لينقل لنا كيف يبدو العمى ونحس بالعمى أثناء قراءتنا للرواية. وآخرين يغرقون في بحر القراءة والتي قد تتجاوز السبع مجلدات لوصف رائحة الطُرقات من الزمن العباسي.

الروائي يُعاني أيام، أشهر، أو سنة. وأحياناً تصل لسنوات، وهذا ليشارك قُرائه بفن حقيقي وكلمات تلامس الوجدان. إن الروائي الحقيقي ليس هدفه طباعه أوراق بمحتوى فارغ أو مُجرد قصة يكتبها لتتلقى إعجاباً بين الناس. الروائي لا ينسج القصص لأنه يُريد أن يحكي مجرد حكاية، هو يُنسج القصص لأنه يُريد أن ينقل فكره وأن تكون تِلك الفكرة مُتخفية بين أحداث الرواية.