يقولون: كيف نبني ديننا على روايات ظنّية الثبوت فضلا عن وجود اختلاف بين هذه الروايات المنسوبة للنبيّ صلى الله عليه وسلّم؟ ألا يُخطئ البشر حتى لو كانوا ثقات؟ فكيف نعتمد في ديننا على سلاسل من الأسانيد التي قد يتحوّل خلالها لفظ الحديث ويتغيّر وقد رأينا فعلا أحاديث بأسانيد مختلفة اختلفت ألفاظها؟ ألا توجد "نسبيةٌ" ما في فهم الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم من شخص لآخر، ثم فهم التابعين عن الصحابة، ثم فهم من تبعهم عنهم وهكذا دواليك حتى يصلنا الحديث؟ هذه وغيرها تساؤلات تُطرح في سياق نقاش حجيّة السنة.
وقد كان يكفي أن أُحيل إلى ما كتبته سابقا من تدوينات بيّنتُ فيها بما لا يدع مجالا للشكّ حجّية السنة بأدلة القرآن الكريم، وإذا كان هذا مقطوعًا به فثمّة سنّةٌ إذن واجبة الاتباع، وبناء على ذلك فهي واجبة الحفظ، وإذا قلنا إنّها لم تُحفظْ؛ طَعنّا بآيات الله التي تأمرنا باتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم وطاعته والتزام تعاليمه للكتاب والحكمة والتأسي به، فكأنّ تلك الآيات تأمرنا باتّباع شيء غير موجود، فضلا عن الآيات التي تأمرنا بفريضة الصلاة والزكاة وغيرها ولا تفصّل لنا أحكامها!
ورغم أنّ هذا الدليل كافٍ لمن عقِل الأمر، فلا بأس من أن نتطرّق في هذه التدوينة إلى مسألة "النسبية" في نقل السنة وفي ألفاظها ومعانيها والاختلاف فيها، لنضع عقل القارئ وقلبه على ركن ركين يزيل ما تبقّى من شبهات، مع إدراكي بأنّ هذا المدخل، مدخل النسبية والظنّية في السنّة، هو أحد أبرز المداخل التي يدخل منها أهل الشبهات للطعن بالسنّة والقول بعدم حجيّتها.

ولنبدأ أولا بتحرير المسألة، هل حقّا يؤدي الأخذ بالسنّة إلى النسبية في فهم الدين؟ وهل صحيحٌ ما يقول به بعضهم من أنّ حفظ السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد من اختلاف الأمة وتفرّقها؟ سنحاول أن نفترض الحالة التي تُرضي هؤلاء، وهي الاقتصار على القرآن وحده لمعرفة الدين، بعد إلغاء حجّية السنّة والإجماع بطبيعة الحال، فهل ستنتهي الإشكالية التي يطرحونها؟ إنّ الواقع يُنبئ بالعكس تمامًا!
فالمساحات الرحبة للدلالات المختلفة لألفاظ العربية تفتح المجال أمام من لا يكاد يُحصى من احتمالات فهم آيات القرآن، كما بيّنتُ في تدوينة "لماذا لا نفسّر القرآن لغويّا؟". ويمكننا فعلا أن ننظر في حال أولئك الذين نبذوا السنن واقتصروا على القرآن، سنجد أنّ كل شخص منهم قد رسم دينًا خاصا به وعلى مقاس فهمه ومزاجه! ومن ثمّ فإذا كنّا نرفض الاحتجاج بالسنّة بسبب نسبيّتها وظنّيّتها، فإنّنا سندخل في نسبيّة أوسع؛ لأننا سنكون قد رفضنا مسالك السنّة والإجماع التي توجّهنا إلى فهم المعنى المراد من آيات القرآن الكريم وتقلّل كثيرًا من مساحات الخلاف حول كتاب الله.
على أنّنا نحبّ أن نؤكّد قبل الدخول في تحليل ظاهرة النسبيّة في السنّة أنّ هناك قطعيّات في السنن الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا شكّ فيها، وليس كل السنّة ظنّي، ومن الخطأ الاعتقاد بأنّ السنّة هي أحاديث الآحاد فقط كلٌّ منها على انفراد، أو أنّ الأحاديث الموجودة في مصنّفات الحديث المشهورة هي مصدر السنّة فقط، فكيف كان الصحابة والتابعون إذن يتّبعون السنن قبل موطأ مالك وصحيح البخاري ومسلم وغيرها من الكتب؟
كانوا في الواقع يعرفون ما اشتهر من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ويعملون به، مع حفظهم لأقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله واحتفاظ الكثير منهم بصحائف سجّل فيها هذه الأخبار. فإذا سأل سائل: كيف أعرف القطعي الذي لا خلاف حوله من السنّة؟ قلنا له انظر إلى ما أجمع عليه الأئمة منها.
| الله عزّ وجلّ هو الذي قدّر أن تكون في الدين أشياء نسبيّة يختلف حولها الناس، وأنّ هذا الاختلاف هو جزءٌ جوهريٌّ من الابتلاء الذي قدّره الله على البشر |
يقول الإمام أبو بكر الجصاص (ت 370 هـ) في كتابه "الفصول في الأصول": "وأما ما ذكرنا من خبر الواحد – إذا ساعده الإجماع – كان ذلك دليلا على صحّته وموجبًا للعلم بمخبره، فإنّه نحو ما رويَ عن النبيّ عليه السلام أنّه قال "لا وصيّة لوارث" إنّما روي من طريق الآحاد، واتفق الفقهاء على العمل به، فدلّ على صحّة مخرجه واستقامته".
وقال بعد كلام: "وإنّما قلنا إنّ ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنّه يوجب العلم بصحّة مخبَره؛ من قِبل أنّا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر مَن هذا وصفه من غير تثبّت فيه ولا معارضة بالأصول، أو بخبر مثله، مع علمنا بمذاهبهم في التثبّت في قبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول؛ دلّنا ذلك من أمرهم على أنّهم لم يصيروا إلى حُكمه إلا من حيث ثبتتْ عندهم صحّته واستقامته، فأوجب ذلك لنا العلم بصحّته" اه.
فهناك القطعيّ من السنّة المستفاد من تضافُر الأدلّة عليه في الأحاديث ومن الإجماع عليه. ومن أراد الاستزادة في معرفة هذا القطعي الذي لا مجال للخلاف فيه من السنّة فليقرأ تدوينة "هل هناك أحاديث متواترة؟" وتدوينة "فلسفة الإجماع"، فقد بيّنتُ فيهما مسالك معرفة القطعيّ من السنّة.
بعد إثباتنا لوجود قطعيّات في السنّة، تبقى مساحة كبيرة من الأحاديث الظنّية، أي التي لا تفيد القطع في ثبوتها كما يُفيده القرآن، وتكمن "النسبية" في هذه الأحاديث في:
1) ظنّية ثبوتها، وأحيانًا الاختلاف حول صحّتها.
2) الاختلاف بين ألفاظها؛ إذ يُروى الحديث الواحد أحيانًا بألفاظ مختلفة مع اختلاف رواته.
3) الاختلاف حول معانيها؛ إذ قد يختلف الشرّاح حول ما تفيده من أحكام ومعانٍ.
فكيف نتعامل مع هذه المساحة من السنّة؟ وهل كونها ظنّية أو نسبية يعني أنّها باطلة ومن ثمّ لا حرج في إلغائها؟ لا يقول ذلك في الواقع إلّا قاصر النظر الذي لا يعرف طبيعة هذا الدين أولا، ولا يعرف قيمة هذه الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ثانيًا.

فأمّا عدم معرفته بطبيعة الدين فهو لجهله بأنّ الله عزّ وجلّ هو الذي قدّر أن تكون في الدين أشياء نسبيّة يختلف حولها الناس، وأنّ هذا الاختلاف هو جزءٌ جوهريٌّ من الابتلاء الذي قدّره الله على البشر. فلم يُقدّم لنا الله عزّ وجلّ الدينَ على طبقٍ من ذهب، بل حتى الإيمان به واتباع رسوله وقبول شرعه – وهي من أصول الدين – لم تُقدّم على طبقٍ من ذهب؛ لأنّ المُراد اختبار البشر، ولا يحصل الاختبار إلا بوجود مساحات من الاجتهاد الإنساني ومقاومة الأهواء واستخدام العقل الحرّ، وإلا فقد كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يفتح للبشرية كوّة من السماء تخبرهم بأنّ عليهم اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلّم وانتهى كلّ شيء!
ولكنّ ذلك لم يحدث، ومن يتصفّح كتاب الله سيجدُ حقيقة الابتلاء هذه حاضرة بدءًا من قصة آدم؛ فلِمَ وضع لهم الشجرة ونهاهم عن الاقتراب منها؟ مرورا بابتلاء إبراهيم وجند طالوت وتحويل القبلة وغيرها من صور الابتلاء الكثيرة جدا في القرآن.
بل قال سبحانه عن كتابه: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}. فإذا كان هذا حال كتاب الله فكذلك الأمر بالنسبة للسنّة؛ يعلمُ الباحث المنصف أنّ فيها من "المحكمات" ما فيها، وأنّ فيها إلى جانب ذلك من المتشابهات، ومن هنا يكون المنهجُ المرضيّ هو الانطلاق من أرضية المحكمات الثابتة، ثم الاجتهاد في الظنّيات بُغية الوصول إلى الحقّ فيها.
| لو تصوّرنا أنّ الله عزّ وجلّ خلق عقول البشر كلّها متشابهة في كلّ شيء ولا اختلاف بينها ولا تأثير للأهواء والرغبات عليها، وجعل كلّ شيء واضحًا لا يحتاج إلى بذل وجهد؛ لاختارَ الناسُ كلّهم نفس الاختيار |
وكذلك اختلف أئمة الإسلام في تفسير العديد من آيات كتاب الله، ولكنّ ذلك لم يجعلهم يتخلّون عمّا اتفقوا عليه في الدين، وهو المساحة الأكبر من الدين. والسقوطُ في الابتلاء بهذه المتشابهات هو أن يُطلق الإنسانُ العنانَ لأهوائه، فيستخرج من متشابه الآيات والأحاديث دينًا جديدا يتّفق مع أهوائه من خلال التأويل.
ومن جهة أخرى، لو تصوّرنا أنّ الله عزّ وجلّ خلق عقول البشر كلّها متشابهة في كلّ شيء ولا اختلاف بينها ولا تأثير للأهواء والرغبات عليها، وجعل كلّ شيء واضحًا لا يحتاج إلى بذل وجهد؛ لاختارَ الناسُ كلّهم نفس الاختيار، ولبطُل بذلك معنى تكليف الإنسان وحريّته وإرادته ومعنى ابتلائه!
وفي هذا السياق نفهم تلك المساحة النسبية من السنّة، باعتبارها جزءًا من منظومة الابتلاء المبثوثة ليس في الدين كلّه فحسب، بل في جميع الأشياء أيضا: في الكون غير المثالي، المليء بالآفات والزلازل والحرّ والصقيع والعواصف. في الإنسان الذي يمرض ويولد معاقًا وتضطرب هرموناته وقد يفقد أعصابه. وفي الحياة التي يولد فيها الناس فقراء أو أيتاما أو دون معرفة والديهم.. وهكذا، لا تُخطئ عينٌ هذه النسبية الفاشية في الأشياء من حولنا، ليجيء الدين فيكون بمُحكماته في الكتاب والسنّة حبلًا متينا يعتصم به المؤمنون، ويردّون متشابهه إلى محكمه.
ومن هذا المنطلق، نفهم المساحات النسبيّة في السنّة باعتبارها مساحات ضرورية لتفعيل دور الإنسان في الاجتهاد والبحث وطلب الحقّ وتفعيل العقل واختبار الأخلاق وضبط الأهواء. فهي مساحة من مساحات الابتلاء التي قد تدفع مَن خَبُثتْ طويّته وانساق خلف أهوائه إلى التلاعب في الدين، أو تدفع العالم المخلص الطالب للحقّ إلى معرفة أحكام دينه بالاعتصام بالمحكمات والجمع بين أطراف الأدلة والتمسّك بالإجماع.
ولهذا كثيرًا ما تجد أهل البدع يُقيمون مذهبهم كلّه على حديث واحد أو آية، دون أن يجمعوا إليه سائر الآيات والأحاديث التي في نفس الموضوع، ودون أن ينطلقوا من المُجمَع عليه في المسألة. وكثيرًا ما تُغري مساحة "الظنّ" في دلالة إحدى الآيات المتشابهة بعضَ الخائضين في العلم لهدم ركيزة مُحْكمة من ركائز الدين؛ إمّا لموافقة هوًى أو لمواطأة جاهلية من الجاهليات على أعرافها، فيكون في ذلك السقوط والخذلان. أو يصبر المسلمُ على المحكمات ويعتصم بها، مهما لاح له من إغراء تأويل المتشابهات لابتداع مذهب جديد يوافق هواه، فيكون في ذلك الأجر الكبير عند الله بإذنه.

إذا أدركنا أن هناك مساحة كبيرة من السنن غير القطعية، في الثبوت أو في الدلالة أو في كليهما، وأدركنا أنّها ليست في مسائل الدين الأساسية في العقائد والتشريعات، بل في مسائل أكثر تفصيلا في هذه الأبواب وغيرها، إذا أدركنا ذلك علينا أن نتساءل: هل يُنكر الاعتماد على هذه الأحاديث ظنّية الثبوت أو الدلالة أو كليهما في مسائل الدين؟
إنّ الناظر إلى طبيعة الحياة البشرية يرى بأنّها تسير في معظمها على سيلٍ من المعلومات والأخبار المتداولة بين الناس بالآحاد، فالمرء منّا يتلقّى الكثير من الأخبار والمعلومات من آحاد الناس ويعمل بموجبها، ويبني عليها حياته، سواء في عمل أو تعليم أو زواج أو غير ذلك، ومع احتمال الخطأ وظنّية هذه المعلومات فالحياة تسير ولا يحدث خلل محسوس جرّاء سلوكنا المبني على أخبار الآحاد والمعلومات الظنّية.
وقد سمّى الله غلبة الظنّ هذه في كتابه "علمًا"، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. فهل يمكن لأحد أن يجزم قطعًا بأنّ فلانة مؤمنة؟ وهل هو داخل قلبها؟ أم إنّه عملٌ بموجب ما غلب على الظنّ من حالها وما صرّحت به؟ هذا والأمر في مسألة خطيرة كهذه يُقضى فيها بالأعراض، فكيف إذا كان في مسائل الفروع في أحكام الفقه الظنّية كالخلاف في بعض تفاصيل الصلاة والزكاة وأحكام المعاملات وبعض تفاصيل الغيبيّات؟
إنّ البتّ بهذه المسائل التي ليست من أصول الدين بغلبة الظنّ، طالما أنّها مأطورةٌ بمُحْكمات الكتاب والسنّة؛ لا يحرّف الدين عن مساره، ولا يوقِع الإنسان في المهالك ولا يضلّه في الدين حتى لو وقع بعض الخطأ القليل فيها، ما دام العالم لا يبتّ فيها إلا بعد بذل غاية الوسع، مريدًا للحقّ مخلصًا في ذلك. بل المنطق يقول إنّ الاجتهاد مع وجود قاعدة من النصوص الحديثية، حتى لو كانت ظنّية، أكثر رسوخًا وانضباطًا من الاجتهاد بدون هذه القاعدة من النصوص!
| حين تجد روايات بطرق مختلفة عن أشخاص مختلفين تحمل نفس المعنى مع قدر يسير من اختلاف الألفاظ؛ تدركُ أنّ هناك صِدقًا في النقل ونزاهة |
أما اختلاف ألفاظ الروايات، فمن حيث أراد بعض الطاعنين جعله سببا لردّ الأحاديث، يجد المتأمل فيه دلالة غاية في الأهمية، وهي أنّه يؤكّد نزاهة الناقلين، وبذلهم غاية الجهد في نقل النصّ الحديثي كما حفظوه، وما دامت حافظةُ البشر متفاوتة، وتأثيراتُ النسيان والضعف فيهم عاملة؛ فلا شكّ أنّ الألفاظ ستختلف.
وأنت حين تجد روايات بطرق مختلفة عن أشخاص مختلفين تحمل نفس المعنى مع قدر يسير من اختلاف الألفاظ؛ تدركُ أنّ هناك صِدقًا في النقل ونزاهة، ولو كانت الأحاديث مخترعةً من صنع الوضّاعين لوجدتَ للحديث نسخة هي نسخة واضعه، فلمّا كان الأمر بنقل البشر العدول الضابطين عن مثلهم إلى منتهاهم عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ أدركَ العاقل أنّ الاختلاف اليسير في الألفاظ هو في الغالب الأعمّ بفعل الضعف البشري، وأنّ الجوهر المشترك الغالب بين الأحاديث في اللفظ والمعنى هو الكلِم النبوي، مع احتمال ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم للحديث في أكثر من موضع بأكثر من صيغة.
أخرج الخطيب في "الكفاية" عن عروة أنّه قال: "قالت لي عائشة رضي الله عنها: يا بُنيّ، يبلغني أنّك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه. فقلتُ لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قلت: لا، قالت: لا بأس بذلك" اه. وكذلك كانت عناية العرب متوجّهة في الأساس إلى المعاني لا إلى الألفاظ، فحتى الشعر المنضبط بالوزن والقافية، ستجد فيه اختلافا في الروايات، ولا يوجد عاقل يقول إنّ هذا الاختلاف في الألفاظ يلغي أي معنى يمكن أن يُستفاد من الأحاديث!
على أنّ مساحة كبيرة جدّا من السنن المنقولة بالأحاديث لا تُضيف عقائد أو تشريعات جديدة في الدين، وإنما هي في الواقع صورٌ تطبيقية وتفاصيل حياتية مشدودة إلى كليّات القرآن في العقائد والتشريعات والأخلاق والآداب. وكونها كذلك، لا يعني طرحَها وإلغاءها من الحسبان، فلا يفعل ذلك إلا جاهل بقيمتها، وما أقبح صنيع أمّةٍ تنبذ هذا الكنز الثمين من تلك الصور التطبيقيّة والأحاديث النبوية بحجّة عدم قطعيّتها.
وإنّك لتجد بعض هؤلاء يحفظ الكثير من المقولات والقصص عن أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم من فلاسفة اليونان والأمم القديمة، وقد عاشوا قبل الميلاد بقرون، وليس لدينا دليلٌ على صدق نسبة هذه الأقوال إليهم، ومع ذلك فهو يذكرها وينسبها لقائلها المزعوم بكل أريحية، ويستأنس بها ويجعلها في موضع الاقتداء والاعتبار. أما حين يتطرّق إلى كلام خير البريّة، الذي تجد أحيانا للرواية الواحدة منه عشرات الأسانيد التي نعرف جميع رجالها، فإنّه يقف مخذولا دون الولوج إلى مضمون الكلِم النبوي النوراني، ويسأل مستنكرا: كيف أصدّق أنّ هذا من كلام النبي؟ وكيف أثق بهؤلاء الرجال وهذه الكتب؟!

إنّ أي دارس يحترم نفسه يعلم قيمة توثيق الممارسات التطبيقية من حياة رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأنّها تساعد على فهمٍ أكبر لطبيعة هذا الدين، فكيف بالمسلم الذي يقرأ في القرآن: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، فهل يقول: لا حاجة لي بالتأسّي به عليه الصلاة والسلام ويكفيني اتباعُ القرآن؟!
إنّ من يقرأ القرآن بحقّ يدرك الطبيعة "الكلّية" التي تتّسم بها معظم الآيات، فهي تعرض المبادئ الكلية والأحكام العامة، ثم تأتي السنّة لتبيّن هذه المبادئ وتفصّلها وتفسّرها، ولتقدّم لنا صورًا تطبيقية عديدة ترسّخ القيم القرآنية وتزيد من ارتباطها بالواقع المعاش من خلال نماذج وأحداث بشرية، أهمّها التجربة النبوية في الممارسة القرآنية. فالحفاظ على هذه التجربة بهذا التوثيق الذي ليس له مثيل في تاريخ البشرية هو من أبرز الجهود العلمية التي ينبغي لأمة الإسلام الافتخار بها والحفاظ عليها.
ومن أراد أن يلمس قيمة الصور التطبيقية الحديثية فليفتح أحد أشهر الكتب التي لا يكاد يخلو منها بيت، وهو كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي، فسيجده يفتتح الكثير من أبوابه بآية أو أكثر من كتاب الله، تمثّل القاعدة الكلية للقيمة أو الخلق أو الأدب أو الحُكم الذي يتناوله الباب، ثم يشرع بعد ذلك بذكر الروايات الحديثية التي تتنوّع بين أقوال ومواعظ وقصص وأحداث ومحاورات وغير ذلك ممّا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو حدث بينه وبين أصحابه. والقيمة التفسيرية والتربوية والتعليمية لهذه الأحاديث عظيمة جدا، يدركها من يعلمون قيمة العلم وطبيعة النفس البشرية وحاجتها إلى هذه النماذج لتزداد فهمًا لدين الله وإدراكا للتطبيق السليم له.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

