وقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر أمام رستم ملك الفرس شرحا له رسالة الإسلام فقال "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" بهذه العبارة الموجزة وضح ربعي بن عامر الأسس الكبرى للإسلام والمهمة الرئيسة التى جاء من أجلها الدين؛ وهى بعث الروح في حياة الناس والأمم ونشر العدل والرحمة والأمل وتقدير الحرية والمساواة بين الناس، فهذه هى قيم الإسلام الكبري سعي الرسول صلي الله عليه وسلم إلي غرسها في نفوس أتباعه من الرجال والنساء منذ نزول الوحي علية إلى أن يقوم الناس لرب العالمين؛ إذ قال الرسول صلي الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
لقد حولت قيم الإسلام الكبرى مجتمع الجزيرة العربية من مجتمع راكد قد أصابه الوهن، وتفشي فيه الظلم، وسادت فيه القسوة وعدم المساواة إلي مجتمع حي صاحب رسالة وهدف ومهمة حضارية، وهذا التحول القيمي الكبير للمجتمع جاء بفضل جهد الرسول صلي الله عليه وأصحابه الكرام الذين نشروا القيم بين الناس بالدعوة والنصح، والتزموا بشكل جاد في تطبيق قيم الإسلام الكبري (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
| الإسلام قدم القيم الكبرى للمجتمع منطلقاً من تصور واضح لأسئلة الوجود والمصير وما بعد الموت؛ إذ جعل التحلي بالقيم رحلة متواصلة ومحطات متتالية تبدأ في الأرض وتتواصل نتائجها في الدار الأخرة |
ويمتاز الإسلام بأن القيم الإنسانية التى اهتم بها كالرحمة والعدل والمساواة، جاءت مستندة إلى تصور متماسك عن عالم الغيب (البعث، والحساب، والنشور)؛ فرحلة القيم في الإسلام تؤثر في عالم الشهادة والغيب، وبهذا التصور المتماسك دبت الروح في جسد المجتمعات العربية نحو الفاعلية الحضارية؛ فاهتزت المجتمعات بالنشاط والحيوية بعدما وفر لها الإسلام حوافز روحية ملهمة تلبي غايات الإنسان الوجدانية بأن يكون شيئاً مذكوراً بعد الموت،وأن لا ينقطع ذكره، وأن يكون كائن متميز عن سائر المخلوقات.
فالإسلام قدم القيم الكبرى للمجتمع منطلقاً من تصور واضح لأسئلة الوجود والمصير وما بعد الموت؛ إذ جعل التحلي بالقيم رحلة متواصلة ومحطات متتالية تبدأ في الأرض وتتواصل نتائجها في الدار الأخرة، وعبر تصور الإسلام العميق لأسئلة الوجود وما يرتبط بها من قيم إنسانية كبري نجح الرسول صلي الله عليه وسلم في نقل المجتمع في مكة والمدنية إلي فضاء إنساني رحب يتساوي في الناس فلا فَضْلَ فيه لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وأصبحت المرأة مكرمة مصونة، والدماء معصومة، والأموال لا يأكلها الناس بينهم بالباطل.
ونحن في مجتمعنا العربي نعاني فى الوقت الراهن من تفشي الكراهية والتعصب بين مكوناتنا الإجتماعية ونحتاج إلي جهود كبيرة علي المستوي التربوي والثقافي لجعل قيم الدين الرئيسة الرحمة والعدل والبر تتحول إلي مبادىء حاكمة في المجتمع، وسلوك منتشر بين أفراده في المدرسة والمصنع والمؤسسة والبيت والمحكمة والمزرعة والشارع والبيت، ونصوص دستورية وقانونية يلتزم بها الجميع، وأيضا نحن في أمس الحاجة لرفع دافعية طلابنا في مدراسنا نحو حب العلم والمعرفة، وعمالنا في المصانع تجاه جودة الانتاج ودقة العمل، وفلاحينا في المزارع إلي رفع الكفاءة الإنتاجية للحقول، فمفهوم الآخرة ويوم القيامة وجود الثواب والعقاب ينبغي أن يكون مؤثراً في حياتنا، فهو يعني وجود محاسبة ومسؤولية تمتد لما بعد الموت؛ وعليه كان من المفترض أن نرى مجتمعنا المسلم وهو الأكثر إتقاناً وإحساناً وتمسكاً بالقيم وسط شعوب الأرض أجمعين، فلماذا يحدث العكس؟
فنحن نلاحظ أن مظاهر الفساد والغش وعدم الإتقان ما زالت متمركزةً بقوة فى بُنية مجتمعاتنا المسلمة، والسبب المُباشر فى ذلك يعود إلى تركيز الخطاب الديني على جملة من المفاهيم المُربكة للوجدان المسلم منها أن الانسحاب من العمل الدنيوي مكُرمة ينبغي الحرص عليها لأنه مُشغل عن ذكر الله والأخرة!، وكذلك حصر العمل الصالح المقبول عند الله فقط فى العبادات التوقيفية كالصلاة والحج والصيام والزكاة إلخ فريضة ونفلاً.
وبناء على ما سبق تفككت لدي المسلمين ثلاثية القرآن الكبرى التى تقوم على قول الله تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) والتى تشير إلي ثلاث اتجاهات ينبغي المسلم أن يحرص عليها وهى الإيمان بالغيب (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أولاً، وثانياً ضرورة الإرتقاء الروحي عبر حسن الصلة بالسماء(وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، وثالثاً إعمار الحياة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)؛ لذلك تركيز خطابنا الديني علي الإيمان بالغيب وحسن الصلة بالسماء جاء علي حساب إهمال وتوهين الاعمال التى تعمر الأرض وتنفع الخلق في الدنيا، فأصبحت مساجد المسلمين تضج بالمصلين لكن مصانعهم لا تُنتج، وأصبح بناء المساجد يحظي باهتمام المحسنين أكثر من بناء الجامعات والمختبرات، وغدت طباعة المصاحف لها أوقاف ومتبرعين، بينما نشر الأبحاث العلمية لا تجد لها داعمين!

وهذا يتناقض مع قيم الإسلام الكبرى التى تقوم ضرورة التوازن بين الاعمال جميعاً، إذ قدم الإسلام دواءًا لحالتين إنسانيتين، إحداهما إعراض عن الحياة فقال (لأن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) وجعل النوافل المتعدية بالنفع للأخرين أكبر أجراً من النوافل القاصر نفعها على الفرد ذاته، وقدم حثاً وجدانياً عميقاً لمن غرق في الحياة الدنيا ناسياً بُعد العلاقة بالخالق أن ينتبه لقصر هذه الحياة في مقابل الخلود (الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ).
ونحن كمجتمع عربى بحكم التكوين التاريخي والجغرافي وبمركزية الدين الإسلامي في حياتنا من الصعب أن نتجاوز معضلاتنا الحضارية على المستوي القيم والأخلاق إلا إذا أعادنا تصويب رؤيتنا ومنظورنا للإسلام ورسالته ليصبح مصدراً واجدانياً متدفقاً يزيد من دافعية فئات المجتمع جميعا نحو حسن العمل وقوة الأمل؛ فالقرآن خاطب المؤمنين بأن الحياة فرصة لتقديم أحسن العمل "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" وهذا يخلق التوازن في النفوس؛ فلا تتعارض لديهم جهود الإعمار والإبداع وبناء المصانع وزراعة الأرض مع الالتزام بشعائر الإسلام من صلاة وزكاة وحج وصيام.
فعندما ننظر للإسلام وتعاليمه التى جعلت العمل الصالح فضاءًا واسعاً لا متناهياً من الأعمال النافعة للفرد وللناس أجمعين؛ سنصبح في غنىٍ عن الدخول في جدل غير نافع عبر تقسيم أعمالنا إلى أخروية ودنيوية!، أو السقوط في ثنائية الدنيا والدين!، أو النص أم العقل!، وهل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟! مما يشخذ الهمم نحو السعى الجاد نحو الفاعلية الحضارية؛ فيصبح العامل في المصنع، والمدرس في قاعة الدرس، والمقاتل في الجبهة، وعامل التنظيف في الشارع، والطبيبة في المستشفي، والأم في البيت قائمين بأعمال صالحة لها نفعها في المجتمع وخيرها يوم القيامة.
ولإحداث هذا الفارق المهم في قيم مجتمعتنا لابد من التفاكر والتدبر والتواصل بين مؤسسات الدعوة والإرشاد؛ لجعل خطابنا العام في المساجد يصب في خانة الإتقان والإحسان والنظام، ونشر قيم الأمل والعدل والرحمة لإحداث التقدم في الحياة باعتبارها جزءاً أساسياً من مشروع الدين، وبذلك يصبح تدين المجتمع المسلم منفتح على العصر دافع على العمل وباعث عن التوازن فى نفوس الأفراد والمجتمع ومنسجم مع روح الإسلام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

