حصيلة العام الجديد

مدونات - 2018

يُحكى أن تاجر ثوب في مكة كان ينوي الحج كل سنة، لكن كثرة الناس المقبلين من كل حدب وصوب على متجره، وإقبالهم الكبير على شراء بضاعته خلال تلك الفترة، كان يمنعه من إغلاق المتجر وأداء مناسك الحج؛ لأن ذلك كان سيشكل خطرا وخسارة لتجارته، فلما كان يسأله أصحابه عن الحج يخبرهم أنه ينوي فعل ذلك في الموسم المقبل، وهكذا في كل موسم. مرت السنين بسرعة البرق، حقيقة نفهمها عند تقدمنا في العمر، عندما نصير قريبين من نقطة النهاية، من نهاية نفق الحياة التي سيفضي بِنَا إلى نهاية بعدها بداية أخرى في زمكان آخر. حين نفهم حقيقة أننا فوتنا على نفسنا الكثير في الوقت الذي كان بإمكاننا صنع الكثير لو فقط أعطينا لنفسنا حقها ولكل شيء حقه.

 

توفي التاجر دون أن يقوم بتأدية مناسك الحج لكثرة انشغالاته. كانت الكعبة تبعد عنه ببضعة أمتار فقط، كان يسمع أصوات الحجاج الذين يأتون من كل حدب وصوب رغم الظروف والمسافات الطويلة والتقدم في السن، كان يسمع لقصص الشيوخ الذين قدموا لاقتناء هدايا لأهاليهم والذين ادخروا طيلة حياتهم لينالوا شرف لمس الحجر الأسود وتقبيله. وهو على فراش الموت ظل يردد "لبيك اللهم لبيك"، كانت تتردد في روحه التي كانت تستعد لمغادرة جسده آنذاك. ظل يمنِّي النفس بيوم صحة واحد يقوم فيه بما أجله طيلة عمره، يعطي ثروته كلها من أجل ذلك، لكن حالته الصحية كانت سيئة وكان للقدر الكلمة الأخيرة. 

 

على الأرجح أن معظمنا يفكر اليوم، آخر يوم في السنة، في كل تلك الأشياء التي وعدنا نفسنا بفعلها وتحقيقها، أحلام خططنا لها قبل اليوم بسنة، كان حماسنا في أوجه وكنا نقنع أنفسنا بأن السنة القادمة هي أحلى بكثير من هذه التي لم يتبقّ لها سوى ساعات معدودة. وكأننا نريد أن نخفف من خيباتنا التي حصدناها بوعود أخرى تشبه السابقة نعد بها اليوم على أساس أن تحقق في السنة الجديدة، وهكذا دواليك. 

 

يفتقد معظمنا لخطة يسير وفقها كما نفتقد كذلك لتلك الوقفات مع الذات كل أسبوع وكل شهر لوضع النقط على الحروف وتسطير الأهداف التي حققت
يفتقد معظمنا لخطة يسير وفقها كما نفتقد كذلك لتلك الوقفات مع الذات كل أسبوع وكل شهر لوضع النقط على الحروف وتسطير الأهداف التي حققت
 

يتجلى المشكل هنا في طريقة التخطيط لأمور حياتنا كلها، نتحمس ساعة وننام دهرا، لا نعطي لأنفسنا حقوقها ولا لأحلامنا متنفسا، نسير في طريق طويلة ومتشعبة جدا دون خطة، ومن يسير دون خطة ودون هدف يضيع طريقه في غالب الأحيان أو يعود من حيث أتى. 

 

ننظر كلنا إلى العام الجديد وكأنه ذلك البطل الخارق الذي سينقذنا من فشلنا السابق خلال الأعوام الماضية؛ أشياء أجلناها منذ ست سنين لأنها تستغرق "ست سنين" لأن الطريق طويلة ولأن الظروف لا تسمح، لكن اليوم وبعد مرور هذه المدة نجد أنفسنا متحسرين على عمر مضى دون أن نحقق فيه ما حلمنا به وما أردنا بكل جوارحنا يوما، فقط لأننا أجلنا و قللنا من قدر طاقاتنا. لكن في الحقيقة، العام الجديد كالعام الذي مضى وكالعام القادم، هي مجرد أيام يختلف ترتيبها في اليومية السنوية، يوم مكون من أربع وعشرين ساعة،  لا أقل ولا أكثر. ما يعطي هذه الساعات  قيمة مضافة هو ما تفعل بها، أين تمضيها وكيف تستفيد من وقت يتمنى شخص آخر أن يبتاعه بأي ثمن. 

 

يتجلى الخلل في التعامل مع الوقت والنفس والأهداف في الكثير من النقط أهمها:

تأجيل عمل اليوم للغد: لأن الكسل أحلى من العسل، ولأننا لا نعرف قيمة الوقت الحقيقية إلا بعد فوات الأوان. فالإنسان دالة رياضية بمتغيرين: الوقت والإنجازات، يتغير منحاها بتغيرهما.
  
قبل أن ننتظر انصرام السنة المقبلة ومحاسبة النفس على الوقت الذي ضاع منا خلالها دون أن نحقق أهدافا نفخر بها، علينا أن ننظر إلى حصيلة العام الجديد وكأنها حقيقة وليست حلم

غياب الرؤية والخطة: يضيع أغلب وقتنا في التساؤل عما يمكننا فعله، نريد فعل ذلك الشيء وذلك وكل الأشياء، لكننا نعود بخفي حنين، لأننا لا نركز على شيء واحد نستثمر فيه وقتنا وجهدنا وحبنا، بل نشتت الانتباه والجهد على أشياء تنتهي بالتآكل لأنها لم تفعل كما يجب.

انعدام حس محاسبة النفس: يفتقد معظمنا لخطة يسير وفقها، كما نفتقد كذلك لتلك الوقفات مع الذات كل أسبوع وكل شهر لوضع النقط على الحروف وتسطير الأهداف التي حققت، والتي لم تحقق، والتي لا زال يلزمها مجهود، والتي يجب أن تُغيَّر حتى لا تلتهم المزيد من الوقت والجهد دون فائدة. 

عدم التجرؤ على القيام بالأشياء التي نحب: لأن نظرة الآخرين وتقييمهم لنا يعنيان الكثير، ولأن لا شيء أهم من رضى الناس، لكن أهم شيء في فعل هاته الأشياء على بساطتها هو حبها، لأن ذلك الحب والشغف هما سبب استمرارنا، عندها يقل وهج الحماس وتتسلل الرتابة إلى أيامنا. ولأن الناس سيحترمونك فقط إذا نجحت وأبدعت في شيء، لا يهم إن كان ذلك الشيء يشبههم أم لا. 

 

هي بعض من أسباب الخلل الذي يثنينا عن تحقيق أحلامنا التي صدقنا أنها أحلام فقط، وأنها صعبة التحقيق بسبب الكسل وغياب التخطيط وضعف الثقة بالنفس. لذلك، قبل أن ننتظر انصرام السنة المقبلة ومحاسبة النفس على الوقت الذي ضاع منا خلالها دون أن نحقق أهدافا نفخر بها، علينا أن ننظر إلى حصيلة العام الجديد وكأنها حقيقة وليست حلما، هي خطوات يلزمها فقط وقت والكثير من الصبر والعزيمة لتحقق. 

 

أن تقرأ كتابا في الأسبوع وتنقص من وزنك وتقوم بعمل تطوعي وتغير حياة شخص وحياتك وتتعلم لغة جديدة وتدرس المادة التي تحب في الجامعة وتغير عملك لأنك لا تشعر فيه بالإنتاجية والسعادة.. هذه كلها خطوات يبدأ التخطيط لها والعمل عليها الآن وليس بعد مرور سنة، لأن كل تلك الأشياء الجميلة التي ترغب في تحقيقها، ترتبط بالأساس بك أنت وليس بترتيب شهر أو عام جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان