شعار قسم مدونات

الحب في زمن "المورنينغ تيكست"

blogs الحب

يقول كازو إيشيغورو، الحاصل على نوبل آداب 2017، في مقال خفيف يحكي فيه عن الفترة التي كتب خلالها روايته الشهيرة "بقايا النهار"، إنه بعد موجة نجاحه الأولى في الثمانينيات اضطر إلى اخوض في الكثير من الأعمال الترويجية كحفلات العشاء ودعوات المؤتمرات والرحلات الخارجية، بجانب جبال من رسائل البريد التي تتطلب الرد عليها، ومنعه ذلك من آداء عمله في الكتابة بانتظام.

 

هنا اقترحت لورنا، زوجته، أن يبدآ معًا عملية سمّياها "الحادثة"، وتقتضي تلك الحادثة أن يختفي ايشيغورو عن الأنظار لمدة أربعة أسابيع كاملة، تقوم هي خلالها بالرد على الهاتف والرسائل، ويتوقف إيشيغوروا كذلك عن أداء وظائفه المنزلية، ثم يعمل في القراءة والكتابة يوميًا لمدة عشر ساعات كاملة لا يتخللها إلا للنزول من أجل الطعام، ويصعد من جديد لاستكمال مهامه. ثم، بعد أربعة أسابيع فقط، يخرج لنا برواية "بقايا النهار".

 

جميلٌ جدًا.. فلنقم بقفزة في الزمن ولنعد إلى الخلف قليلًا، إلى خمسينيات القرن الماضي، يسمع روبين كوبر زوجته الباكية تقول لإحداهن إنها تود أن تستمر في تعلّم علم الفلك، فيقرر أن يعمل على توفير كل ظروف الراحة الممكنة لها لكي تستكمل دراستها المسائية للدكتوراة في جامعة جورج تاون.. دعونا نتأمل تلك الخطة العائلية المثيرة للاهتمام.

 

كان روبرت روبين، على مدى سنتين، ومرتين في الأسبوع، ينتهي من عمله ثم يذهب لإحضار والدتها، ويذهب إلى المنزل. تخرج والدة فيرا من السيارة وتدخل إلى المنزل لترعى الطفل، تركب فيرا السيارة، وكانت حاملًا بالطفل الثاني، لينطلق روبرت إلى جامعة جورج تاون، ينتظر فيرا لمدة ساعتين حتى تنتهي من محاضراتها المسائية وتعود، وهكذا دواليك، إنها فيرا روبين كوبر، أشهر عالمات الفلك في القرن العشرين.

 

 نيلز بوهر (مواقع التواصل)
 نيلز بوهر (مواقع التواصل)

ثم، دعونا في قفزة زمنية أخيرة، ننتقل إلى الخلف أكثر لنتوقف عند أحدهم، تزوج حبيبته مارغريت وهو تقريبًا في الواحدة والعشرين من عمره، ثم بعد أن انفتح باب عالم الكوانتم له أصبح أحد مشاهير العالم، واعتبرته الدنمارك أحد أهم الشخصيات في تاريخها؛ فكانت زيارات السياسين والعلماء والضيوف الكبار للدنمارك هي زيارة للملك، وللسيد نيلز بوهر، والذي عمل بجد طوال حياته تقريبًا.

 

لذلك قد تتعجب قليلًا حينما تعرف أن السيد بوهر وزوجته قد حصلا على خمسة أطفال، نعم، كما سمعت، خمسة أطفال، وعلى الرغم من كل هذا الطقس المشحون بالعمل ارتبطت أسرة بوهر ببعضها البعض، وحينما حصل على نوبل -يحكي حفيده فيلهلم بوهر في محاضرة له- اشترى بالنقود الخاصة بالجائزة بيتًا كبيرًا ليمرح فيه الأطفال ويستقبل كبار رجال الدولة وأهل العلم من حين إلى آخر، لقد عاش السيد بور حياة سعيدة.

 

الآن لنتوقف قليلًا ونسأل: ما الذي يحدث هنا؟

 

نحن البشر كائنات ضعيفة، كسولة، هشّة، نتعرف إلى موضعنا الدقيق في هذا الكون شاسع الإتساع والتنوع فيدفعنا ذلك دفعًا إلى عوالم الخوف والوحدة، لهذا السبب نقوم بابتكار مفاهيم فانتازية مثالية تساعدنا على تجاوز المسؤولية عن ذواتنا، عن قراراتنا في هذه الحياة، مفاهيم تتجاوز العالم الحقيقي المرعب، الساكن في أرض الواقع المعجون بالاحتمالات الكثيرة، إلى محطة الحقائق التي لا تحتاج إلى بذل جهد في سبيلها، إذ ليس هناك ما هو أهنأ من اليقين الكامل بأن ما أنت مقدم عليه هو "قدَرك" وليس مجرد "اختيار".

 

لذلك ستجد أننا نؤمن -مثلًا- بأن هناك ما نسمّيه "حب من أوّل نظرة" وأن هناك "توأم روح" أو أنهما "عاشا معًا في سعادة غامرة إلى الأبد".. إلخ، ورغم أنها جميعًا جمل للاستهلاك فقط تاجرنا بها على مدى قرون طويلة، فإننا نقدسها؛ لأنها تعطينا ما نريده بالضبط، الكثير من الراحة والأمان، فهي ببساطة تقدم لنا الحب كـ"باكدج" كاملة شاملة كل شيء حتّى البطاطس المقرمشة، لا تقدمه كمشروع، كخطة عمل، يمكن العمل عليها وتطويرها ببطء شديد وهدوء، ولكن كشيء كامل لا نحتاج إلى بذل جهد في سبيله أو للتأكد إن كان سيستمر أم لا، حلم، سراب لنجري وراءه كمجموعة أطفال في فيلم رُعب.

 

حينما يبدأ  الملل في التسرب إلى قلوبنا وتظهر المشكلات والخلافات حول أمور عادية وأخرى غير عادية، نتصور أن هذا ليس
حينما يبدأ  الملل في التسرب إلى قلوبنا وتظهر المشكلات والخلافات حول أمور عادية وأخرى غير عادية، نتصور أن هذا ليس "الحب الذي كنّا نريده" ويكون هذا هو التبرير الأفضل لذواتنا للهروب من المواجهة
 

هل "رأيت نظرته إليها في الصور؟"، أتذكر تلك الموجة على وسائل التواصل منذ فترة، نعم إنه براد بيت، هل رأيت كيف ينظر إلى أنجلينا جولي في الصور المنتشرة على فيسبوك؟ هكذا يعيش جيل كامل من الشباب على صورة ممثل ينظر إلى زوجته، كان يعرف بينما يفعل ذلك أن هناك كاميرات تلتقط صورته، لكنّ الأمر في الحقيقة أعمق من ذلك كثيرًا، يتخلل ذواتنا.

 

إذ تعلمنا السيكولوجيا الاجتماعية في السنوات "الخمسين" الأخيرة أننا كائنات سطحية، لا نريد الأشياء ولكنْ نريد صورتها، نريد مثلًا أن نصبح مثل هذا الكاتب الموهوب، نريد أن نرتدي مثله، أن نحصل على مكتبة تشبه التي تقع في خلفيته حينما نراه في الصور أو اللقاءات التلفزيونية، نريد أن نتحدث بهدوء مثله، لكنْ لا نريد بذل الجهد في سبيل ذلك كله، الجهد الذي بذله ليقرأ كل تلك الكتب ويؤلف كل هذه الروايات البديعة.

 

نحن نُقولب العالم من حولنا، لا نهتم كثيرًا بجوهر الأشياء، بما تعنيه حقًا، أو ما تستحقه من تأمل، ولكن بـ: كيف تظهر حانية أو طيّبة أو "تعجبنا" في العموم، لا يهم كل الجهد المبذول في سبيل تحقيق تلك النظرة الحانية من رجل لامرأته، ان كانت كذلك بالفعل، لكن فقط يمكن تصورها على أنها "جاءت كذلك" لسبب فانتازي أسطوري ما، سبب لا نجده فنتصوّر أننا ملعونون، وأن الخطأ في أقدارنا، بينما، في الحقيقة، إن ما نبحث عنه هو وهم.

 

هنا تظهر مشكلة إضافية في تصوراتنا الخاطئة، وما أكثرها، عن الحب، وهي أننا، حينما يبدأ بعض الملل في التسرب إلى قلوبنا، حينما تظهر المشكلات الأولى، الخلافات حول أمور عادية وأخرى غير عادية، نتصور أن هذا ليس هو "الحب الذي كنّا نريده"، ويكون هذا هو التبرير الأفضل لذواتنا، الطريقة الأفضل للهروب من المواجهة، من المسؤولية تجاه أخطائنا في الحب، ثم هكذا نستمر في مطاردة السراب.

 

ومن الخطأ تصوّر أن وجوب وجود الحب في حالة ما سيجعل منه حبًا لمجرد أنها "كذلك"، كافتراض أن كونك أبًا /أمًا لطفلك سيجعله يحبك تلقائيا، بالطبع لا، لا بد لتلك العلاقة، وأية علاقة، من أن تنمو، ولكي يحدث ذلك يجب أن نعمل عليها، وإلا سيكبر ابنك ليعاملك مثل "كرسي" في المنزل أو مثل "الثلاجة"، لا أكثر.

 

لنكن أقوياء في الحب، لننتزع ما استحققناه من العالم بعنف، لكن ذلك يكون بأن نعمل على خلق تلك الذكريات من الآن، يومًا بعد يوم، كأننا روائيون ونحن أيضًا أبطال الرواية
لنكن أقوياء في الحب، لننتزع ما استحققناه من العالم بعنف، لكن ذلك يكون بأن نعمل على خلق تلك الذكريات من الآن، يومًا بعد يوم، كأننا روائيون ونحن أيضًا أبطال الرواية
 

هل تود أن تقف على حافة عمرك، هناك عند نهاية الفيلم الطويل، محتضنًا إحداهن بسلام؟ هل تودين الحصول على رجل تشاركين معه ذكريات أربعين عامًا قادمة؟

 

لنكن إذن أقوياء في الحب، لننتزع ما استحققناه من العالم بعنف، لكن ذلك يكون بأن نعمل على خلق تلك الذكريات من الآن، يومًا بعد يوم، كأننا روائيون ونحن أيضًا أبطال الرواية، لا يكتب الروائي القصة في مرة واحدة، بل يحتاج الأمر إلى الكثير من الغضب، الملل، الإحباط، الكثير من المسودات المكرمشة والمقطوعة والملقاة هنا وهناك، لكننا سنصل في النهاية إلى حكاية لا نسمع عنها كثيرًا في عوالم التواصل الاجتماعي، حكاية كتلك التي في الأعلى.

 

إن ما يؤلم حقًا في هذه الأجواء المرتابة التي يمر بها العالم كله هو أن الحب، حتى الحب، قد أصبح فقط حالة من الجموح والاحتراق الديونيسي لا تلبث أن تنتهي سريعًا، وفي مدن ضربها الشك لم يعد ممكنا لحب حقيقي، ربما، كالذي تحدثنا عنه منذ قليل، أن ينشأ كنبتة تحتاج من الرعاية والوقاية بالجهد والوقت والثقة ما يسمح لها بالاستمرار والتبرعم، لم يعد ممكننًا أن ينشأ كقطعة أرابيسك تحتاج العمل بعناية شديدة لكي تصبح تحفّة فنية بديعة.

 

لقد أصبحت الأمور أكثر سطحية ولزوجة، وبات الحب شكلًا من أشكال "الظهور الاجتماعي"، أو فقط "رغبة مقنعة في الجنس" تتهافت للحصول على بعض "النودز"، رغم أن علم النفس التطوري، مثلًا، يخبرنا بأن الحب نشأ من قلب المودة وليس من وراء الجنس كما ادعّى شوبنهاور، لكنْ نحن في عصرٍ لا نحب فيه بالأساس، مع الأسف، بل نحن فقط نظهر بمظهر من يحب، وذلك يقصم ظهر الكون.

 


في الحقيقة يدفعني هذا فورًا  إلى تذكر أغنية لغاري غولز يقول فيها "كل ما حولي هو وجوه مألوفة، أماكن مهترئة، وجوه مهترئة استيقظت مبكرًا مستعدة للسباق اليومي ناحية لا مكان، من دون أية تعابير عليها".. ليستكمل في المنتصف: "وأنا أجد من الطريف، والمضحك أيضًا، أن أفضل أحلامي هي تلك التي أموت فيها، وأجد أنه من الصعب أن أخبرك، أو أتقبل، أن الناس يجرون في دوائر.. إنه عالم مجنون جدًا جدًا".