شعار قسم مدونات

الأزمة الليبية.. بين تآكل الشرعيات وشبح الانتخابات

مدونات - حفتر

مع انقضاء مدة السنتين التي حددت في اتفاق الصخيرات لانتهاء صلاحيته يوم 17 ديسمبر المنصرم، تجاوزت جميع الأجسام السياسية المتصارعة في ليبيا (مجلس النواب، مجلس الدولة، المجلس الرئاسي) المدد التي منحت لها، فصارت أجسامًا تمارس سياسة الأمر الواقع إما بشرعية منتهية أو معيبة أو منقوصة "شرعية دولية وليست شعبية". نفس التاريخ كان موعدًا لإعلان حفتر تنصيب نفسه رئيسًا للبلاد بناءً على "شرعية" مبتدعة باسم "التفويض الشعبي"، تم حبكها بشكل ركيك ولكنها لم تلقَ اعترافًا حتى في الشرق الليبي الذي يسيطر عليه بعد أن عجز عن دخول طرابلس كما وعد. 

المجتمع الدولي، وعلى رأسه أمريكا، أخبر حفتر بأنه لا يوجد حل عسكري في ليبيا وأنه ليس أمام الليبيين سوى اتفاق الصخيرات، ولكن رغم تمسك المجتمع الدولي باتفاق الصخيرات كمرجعية سياسية، إلا أنه يدرك ضمنًا استحالة تطبيقه بعد مضي سنتين على إقراره، ما جعله يطرح خيار الانتخابات التشريعية والرئاسية هذه الأيام كحل للمشكل الليبي. أما الأطراف المتنازعة وكذلك الدول الإقليمية والدولية فتناولته بشكل متباين بين مرحب ومتردد، أو معارض ومشكك في توقيته وجدواه.

لكي تمثّل الانتخابات إرادة الليبيين الحرة الكاملة وغير المعيبة، فإنها يجب ألا تُخضع صياغتها أو تفاصيل إجرائها بشكل أو بآخر لأي تدخل خارجي بما في ذلك الأمم المتحدة أو أي أطراف أخرى

المجتمع الدولي وضع الانتخابات كفيصل هام أمام الليبيين لحل المعضل السياسي، ولكن المهم ليس هو مجرد إجراء الانتخابات في حد ذاتها، بل إمكانية تقديم مخرجاتها حلًا للأزمة الليبية. فهذه الخطوة جاءت بعد إضاعة وقت طويل من العبث الأمني والسياسي، ما جعل من الوضع الليبي غاية في التعقيد. فمجرد نجاح الانتخابات في توحيد مؤسسات الدولة، وإن كان سيبدو نجاحًا على السطح، قد يكون مجرد حلٍّ مؤقة إن لم يعالج جذور الخلاف العميقة، والتي ستستمر كبؤر توتر في حالة غليان داخلي لا تنفك أن تنفجر لاحقًا لتعصف بإمكانية أي سلم مدني مستدام. معالجة جذور الخلاف هذه، تحتاج إلى خطوات لاحقة ومنفصلة عن الانتخابات، ومنها المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، بشرط ألا تؤججها وتعقدها مخرجات الانتخابات كما سنذكر لاحقًا. 

ولكي تمثل الانتخابات إرادة الليبيين الحرة الكاملة وغير المعيبة، فإنها يجب ألا تخضع صياغتها أو تفاصيل إجرائها بشكل أو بآخر لأي تدخل خارجي بما في ذلك الأمم المتحدة أو أي أطراف أخرى. ولذا فإن الأشهر القادمة التي تفصلنا عن الانتخابات المتوقعة في سبتمبر ٢٠١٨ ستكون هامة جدًا، إذ إنه قد يتم بشكل أو بآخر تهيئة الظروف للتأثير على إرادة الليبيين استغلالاً للحالة الأمنية والاقتصادية بالضغط أو التدليس أو التزييف أو المقايضة، لتمكين طرف أو آخر للاستئثار بالسلطة أو لرسم مشهد سياسي بعينه لتسويقه وفرضه على الليبيين بما يتماشى مع مصالح أطراف أخرى.

ولذا فإن المرجعية التي تُجرى بناءً على أساسها الانتخابات وتفاصيل شروط العملية الانتخابية، ستكون غاية في الأهمية لقطع الطريق على محاولة تمرير تلك الأجندات من خلال الصناديق، بحيث تعكس الانتخابات إرادة الليبيين دون غيرهم. 

في تقديري، إن جذور الصراع الليبي التي انتهت بالبلاد إلى هذا الوضع هي معقدة ومتأصلة، ولا يمكن تجاوزها بمجرد جرة قلم، وبدعوى محاولة تحقيق المصالحة الوطنية وإجراء الانتخابات في خطوة واحدة ومن خلال "المؤتمر الجامع" كما يحاول السيد غسان سلامة تسويقه، كما أنه لا يجب تجاهل "الإرث التاريخي" ومحاولة مقايضة الليبيين أو إجبارهم على التنازل عنه مقابل إشراك أطراف كانت سببًا في معاناتهم، وبالتالي إفلاتها من المحاسبة؛ وهذا الأمر ينطبق على حقبتي سبتمبر وفبراير على حدٍ سواء. 

على سبيل المثال، عندما يقول سلامة، أو غيره، بأن بقايا نظام القذافي لهم الحق في المشاركة في الانتخابات، فإنه بذلك يتجاهل إرثًا تاريخيًا مقيتًا لحقبة مظلمة ثار عليها الشعب الليبي، ودفعوا دماءً من أجل التخلص من ظلمها. إرث القذافي ورجاله هو أمر بيد الليبيين يتناولونه حسابًا أو صفحًا بعد أن يتمكنوا من بناء دولتهم وتفعيل القانون لإنصافهم وإنصاف الشعب في آن واحـد، أما القول بإدماجهم أو إدخالهم في هذا التوقيت دون تمحيص، فهو ضرب من استغلال حالة التشظي والشظف التي يعيشها الليبيون بعد ثورتهم لإدخال حاكم قديم رفع سلاحه في وجه الليبيين عندما طالبوا بالحرية والعيش الكريم، بل وكان سببًا -وهناك شواهد كثيرة على مشاركته عمدًا في تقويض أمن البلاد مؤخرًاـ في الحالة المأساوية التي يعيشونها اليوم.

ستظل ليبيا تواجه تحديات أمنية واقتصادية ولن تستقر ما دامت هناك قوى داخلية وخارجية تعمل على زعزعة استقرارها، ومحاولات إعادتها لبقايا منظومة القذافي أو الحكم العسكري الشمولي
ستظل ليبيا تواجه تحديات أمنية واقتصادية ولن تستقر ما دامت هناك قوى داخلية وخارجية تعمل على زعزعة استقرارها، ومحاولات إعادتها لبقايا منظومة القذافي أو الحكم العسكري الشمولي

وبنفس المنطق، فإن النخب السياسية التي فشلت في إدارة البلاد خلال السبع سنوات الماضية، قد فقدت ثقة الشعب بشكل كبير، وعليه، فإن استمرار وجودها، ولو جزئيًا، سيرحل صراع الحاضر إلى الحقبة القادمة وقد يؤججها مستقبلًا، ويمهد لعودة حالة الاستقطاب التي تشهدها ليبيا اليوم. إلا أن فشل النخبة السياسية التي حكمت بعد ثورة فبراير، لا يجب أن يعطي صكوك غفران لمجرمي سبتمبر، كما أنه لا يجب أن ينسف الأساس الذي قامت عليه الثورة الشعبية في فبراير والتي وحدت جميع الليبيين بشتى أطيافهم، وكانت مرآة حقيقية لإرادة الشعب في رفض الظلم والحكم الشمولي. 

ففشل هذه النخب يجب أن ينسب لهم وليس لثورة فبراير، وبالتالي يجب أن تتم محاسبتهم تاريخيًا وسياسيًا مثل أي حقبة أخرى؛ ولذا فإن إخراج كل من تولى منصبًا سياسيًا أو أمنيًا في حقبة فبراير، مثل حقبة سبتمبر، رغم أنه قد يقصي ناسًا أكفاء وشرفاء، سيكون خيارًا تُغلّب فيه المصلحة على المفسدة، ويجعل مخرجات هذه الانتخابات وطنية وغير مستفزة، ولا تذِّكر الليبيين بشجون مؤلمة من الماضي القريب والبعيد للحقبتين.

وبناءً على ما سبق، فإن الانتخابات يجب أن تتوافر فيها عدة شروط لكي تكون مخرجاتها ذات جدوى، وإلا فإنها سترحل الصراع الحالي إلى حقبة أخرى ومتقدمة:
1 ـ تكون بناءً على مرجعية دستورية (مسودة لجنة الستين أو الدستور السابق لعام 63) وبدون تدخل للأمم المتحدة في صياغة بنود الدستور.
2 ـ لا يشترك فيها أي شخص تقلد منصبا تشريعيا أو سياديا أو أمنيا في سبتمبر أو فبراير (عزل سياسي للحقبتين معـًا).
3 ـ اشتراك المترشحين كأشخاص وليسوا ضمن كيانات وأحزاب.
4 ـ إشراف دولي مع ضمانات لاحترام نتائجهــا وذلك بالضغط على الدول الداعمة لأطراف النزاع. 
5 ـ حظر استخدام المال السياسي القذر لشراء الذمم والأصوات.
6 ـ وضع ضوابط للتأجيج الإعلامي السلبي.

وأخيرًا، فإنه حتى وإن تم تطبيق هذه الشروط، فلا يجب أن نتوقع من هذه الانتخابات أكثر من إنهاء الأجسام المتصارعة وإعادة الدولة إلى ما كانت عليه قبل انقلاب الكرامة والنزاع المسلح الذي نتج بعد ذلك، أما إنهاء معاناة المواطنين وبناء الدولة واستقرارها، فهو أمر لاحق ويحتاج إلى المزيد من الجهود، وإلى تبني مشروع وطني حقيقي، وإلى دعم -وليس تدخل- دولي للأخذ بيد البلاد. فليبيا للأسف ستظل تواجه تحديات أمنية واقتصادية، ولن تستقر مادامت هناك قوى داخلية وخارجية تعمل بشكل عمدي على زعزعة استقرارها ومحاولة إعادتها إما إلى بقايا منظومة القذافي التي أخذت فرصتها وثبت فشلها، أو إلى الحكم العسكري الشمولي. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.