181.. وأكذوبة العصر الإنسانيّ الحديث

Blogs- palestien
قبل النكبة بعامٍ واحدٍ فقط، في التاسع والعشرين من نوفمبر تحديدًا جاء قرار تقسيم فلسطين، الحامل لرقم 181، المنبثق عن الجمعيّة العامّة التابعة لهيئة الأمم المتحدة، والتي مهمّتها الحفاظ على السلم والأمن والسلام الدوليّ. قضى القرار بإنهاء الانتداب البريطانيّ على فلسطين وتقسيمها إلى 3 مناطق جديدة، في خطوةٍ دبّرتها بريطانيا مع منظمة الأمم المتحدة كي تنهي انتدابها على فلسطين، في حين اعتقد فيه الفلسطينيون عام 1946 أنّ هذه المؤسسة الدوليّة ستنصفهم فرفعوا قضيّة استقلال فلسطين إلى الأمم المتحدة في مؤتمر "بلودان"، إلا أنّ التنفيذ أتى عكسًا للشعارات المعلنة.

خلص القرار 181 أن تكون المنطقة الأولى دولة عربيّة بالغة مساحتها 4,300 ميل مربع، أي ما يمثل 42.3% من مساحة فلسطين التاريخيّة، ستمنح للعرب. أما الثانية، فهي دولة يهوديّة تفوقُ مساحتها العربيّة، بمجمل 5,700 ميل مربع، ما يعني إهداء 57.7% من الأراضي الفلسطينيّة لصالح إقامة هذه الدولة اليهوديّة. ففي عام 1947، ورغم الهجرات اليهوديّة الكثيفة إلى فلسطين شكل السكان اليهود حينها 31% من مجمل عدد السكان في فلسطين، قد يكونُ عددًا كبيرًا فعلًا، ولكن بالمقابل لم يمتلكوا سوى 6.5% من الأراضي. أما المنطقة الثالثة، القدس وبيت لحم فستقعان تحت النفوذ الدوليّ كما جاء في القرار.

حمل القرار تقسيمات اقتصاديّة أيضًا تقضي بعدم انتاجية واستقلالية الاقتصاد الفلسطينيّ، إلا بتحكّم الأطراف الدوليّة واليهوديّة،  وبالطبع، لقيت كل هذه البنود معارضةً فلسطينيّة لما تحمله من غبنٍ وإنكار لحق الشعب الفلسطينيّ وتحويله إلى أكثرية سكانيّة على مساحةٍ صغيرة تسيطر عليها فعليًا أقليّة يهوديّة، فما كان منه إلا الرفض، الرفض الذي كان منفذًا للحرب والنكبة وشمّاعة علّقت عليها الحركات الصهيونيّة شرعيّة جرائمها في النكبة واغتصاب الحق بالقوّة.

بدأت حقوق الشعب الفلسطينيّ، الجماعيّة والفرديّة بالتقلّص أمام مرأى ومسمع العالم والمنظمات الدوليّة رغم محاولة الفلسطينيين بإقناع العالم بهذه الحقوق
بدأت حقوق الشعب الفلسطينيّ، الجماعيّة والفرديّة بالتقلّص أمام مرأى ومسمع العالم والمنظمات الدوليّة رغم محاولة الفلسطينيين بإقناع العالم بهذه الحقوق

الأمم المتحدة ذاتها التي قدّمت فلسطين هدية لليهود في هذا القرار، رغم أنّ التصويت أتى من الدول الأعضاء، لكنها لعبت دور سمسار الأراضي لصالح شعبٍ دون آخر، لم تكتفِ فقط بقبول وسنِّ قرار مجحف يُفضِّل نوع بشرٍ عن آخر بسبب دينهم، بل قامت بتجاهل المأساة الفلسطينيّة والنكبة التي أدّت إلى تشريد وقتل شعبٍ كامل عام 1948 مصفقةً لقتلة الأطفال والنساء والعجزة لأنّهم ينتمون للديانة اليهوديّة، متجاهلةً أنّ الفلسطينيين من البشر أيضًا.

بعد أن كانت شريكة في هذه الجريمة، وصل حدّ وقاحة الأمم المتحدة أن تقوم في ذات عام نكبتهم 1948 بإصدار ميثاقٍ طاهر من جسدٍ عاهر، كان هذا نصّ ميثاق حقوق الإنسان الذي قدّمته الأمم المتحدة إلى العالم، والذي يقرّ ببنده الثاني بوضوح: "لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي.." ما يظهرُ جليًا أنّ حقوق الإنسان ما هي إلا أكذوبة لا يلتزم بها حتى قائلها الذي رضي بظلم الفلسطينيين لأنهم ليسوا يهودًا، أي بسبب دينهم، رغم أنّها حاولت تجميل صورتها باعترافها بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في ذات العام ولكن الاعتراف هذا لم يقدّم أو يؤخر، لأنّ لا رؤيا لدى الأمم المتحدة لتحقيقه على أرض الواقع.

منذ تلك اللحظة بدأت حقوق الشعب الفلسطينيّ، الجماعيّة والفرديّة بالتقلّص أمام مرأى ومسمع العالم والمنظمات الدوليّة رغم محاولة الفلسطينيين بإقناع العالم بهذه الحقوق، إذ إنّ الحديث حول مصداقية الأمم المتحدة يجب أن يتداوله الفلسطينيون بكل جديّة، ليس من أجل الماضي فقط، بل بسبب عدد من التطورات والاتفاقيات في ظل هذه المؤسسة متناقضة الأقوال والأفعال وسيدفع الشعب الفلسطينيّ ثمن ما يمليه هؤلاء القادة، فكان قرار تقسيم فلسطين هو الفاتحة ثم تبعه عدد من الاتفاقيات والمعاهدات.

التقارير والاتفاقيات الكثيرة، ما هي إلا أكذوبة العصر
التقارير والاتفاقيات الكثيرة، ما هي إلا أكذوبة العصر "الإنسانيّ" الحديث، يدٌ تمسّد وجهك والأخرى تصفعك باسم السلام

في عام 2016 أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الاستيطان الاسرائيليّ في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة لأوّل مرة منذ عام 1979، وعلى أساسِ مراعاتها لصيانة حقوق الإنسان، تعمل الأمم المتحدة على رصد انتهاكات حقوق الإنسان في العالم أجمع، ولكن ظهرت فضيحتها المناقضة لعملها حين قدّمت السياسيّة والاقتصاديّة الأردنيّة، ريما خلف، استقالتها من منصب الأمينة التنفيذيّة للجنة الأمم المتحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغرب آسيا، ردًا على طلب أمين عام المنظمة الأممية، أنطونيو غوتيريش، بسحب تقرير دوليّ قدّمته خلف يتهم اسرائيل بممارسة الاضطهاد ضد الفلسطينيين.

 لم يرُق التقرير للأمم المتحدة بسبب وصفه إسرائيل "بدولة فصلٍ عنصريّ"، "فقامت إسرائيل وحلفاؤها بممارسة ضغوطٍ هائلة على الأمين العام للأمم المتحدة للتنصل من التقرير طالبين منه سحبه" فما كان من الأمين إلا أن أصدر تعليماته لخلف بسحبه فعلًا، كما جاء على لسان خلف في تصريحاتٍ صحفيّة لها أثر استقالتها من الأمم المتحدة كردٍّ لها على طلب سحبه. وفي هذه التصريحات في نصِّ الاستقالة الموجهة للأمين العام جملة هامّة اعتبرها لبّ الحدث: "ليس خافيًا علي ما تتعرض له الأمم المتحدة وما تتعرضُ له انت شخصيًا من ضغوطٍ وتهديداتٍ على يد دولٍ من ذوات السطوةِ والنفوذ".

إذا، الأمم المتحدة، لم تلعب دورًا في سمسرة الأراضي الفلسطينيّة فحسب، والقبول بالنكبة وما نتج عنها من مآسٍ حاولت حلّها دومًا بشكلٍ ظاهريّ لإسكات الفلسطينيين، بل حتى أنّ هذه التقارير والاتفاقيات الكثيرة، ما هي إلا أكذوبة العصر "الإنسانيّ" الحديث، يدٌ تمسّد وجهك والأخرى تصفعك باسم السلام، وفي أحسن الظنّ فإن الأمم المتحدة ضعيفة وتقع تحت الاستبداد، لماذا إذًا يلجأ لها القادة الفلسطينيون لتعليق آمالهم على جسدٍ لا روح له ولا قوّة؟ والأهمّ من هذا، إن كانت الأمم المتحدة مخترقة إلى هذا الحدّ وغير مستقلّة كيف يمكن أن يحافظ البشر على حقوقهم الإنسانيّة في سيادة دولٍ قامعة؟ من يحمي حقوق الإنسان إذًا ومن ينتصر للشعوب المغدورةِ؟ أخشى أن تكون الإجابة: لا أحد.