شعار قسم مدونات

عهد التميمي.. وللحرية الشقراء باب

blogs عهد التميمي

احتج صديقي الشاب نوري على هجومي على عهد التميمي مرتين، فطمأنته إلى أن نجوميتها في ازدياد، فأنا لا أستطيع مواجهة إمبراطوريات إعلامية ترفع من شأنها، ومقالاتي ليس لها تأثير، ولا رأي لمن لا يطاع. 

 

 وعاتبني لأنني لا أكتب عن سبايا داعش، فقلت إن لهن محامين كباراً، الغرب الأوروبي، وصحافة السعودية تدافع عنهن، فموضوع السبايا كان دائماً موضوعاً استشرافياً أثيراً، رسمه المستشرق وحنّطوا صورة الشرق الإسلامي فيه. وذكّرته بأنّ السيسي منحهن جوائز ودمعت لهن عيناه، هن ضحايا، لكن التفريق بين الضحايا والكيل بمكيالين هو المشكلة، وقلت له إن الإعلام حوّل عهداً إلى أيقونة، فقد جمعت النضال والجمال، وقلّما يجتمعان، وذكّرته بأن الأيقونة مصطلح غربي، فلا أيقونات عندنا، إنما صدّيقون وشهداء.

 

يظنُّ كثيرون أن المسألة فيها تمييز باللون أو بالزي، فعهد مترفة الشكل والزي، نضالها مدني سلمي ولا يميزها سوى الحطة الفلسطينية، التي تزين بها جيدها أحياناً، وهي مهتمة بــ"الشو"، فتتخذ أوضاعاً خاصة بالتصوير، وهي وأبوها حريصان على مسألة الاستعراض، والمطارات والجوائز، وقلت له إن أباها من "المنحبكجية" الأفاضل، لكن المدافعين و"الفولورز" يقولون إن هذا يحدث كثيراً، بسبب ذيوع اسم الأسد والتصاقه بالمقاومة. 

 

 ما فعلته عهد هو ركلة في ملعب وعضة، وأصبع وسطى وهذا لا يفسد للود قضية وتحدث في أحسن المباريات الودية
 ما فعلته عهد هو ركلة في ملعب وعضة، وأصبع وسطى وهذا لا يفسد للود قضية وتحدث في أحسن المباريات الودية
 

الأسد نجم مقاوم، فهو أحد الملاك الحصريين لمحور المقاومة، التي تحتكره الشركة الإيرانية السورية، ولفتُّ نظر نوري إلى أن اسم باسم اسم جميل ورقيق ولا يليق بشعب الرباط، ورويت له قصة أعرابي سئل لمَ تسمون أبناءكم بشرّ الأسماء، نحو كلب، ذئب، ليث ومرّة، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو رزق ومرزوق ورباح؟ فقال إنما نسمّي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريدون أن الأبناء عدّة للأعداء وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء. وستجد أن أكثر الأسماء الناعمة هي عند الشعب السوري المقاوم في زمن الأسد. 

 

وقلت إن كثيرين أكلوا مقلب عهد، مثل أردوغان الذي منحها وسام الشجاعة، والملايين في سوريا، وفي فلسطين أولى منها، ولكنّ عين الكاميرا فيها عود. لقد عملت عهد "فاول" في المباراة الظالمة فوجدت كل هذا الاستحسان؟ وقلت لنوري إن مارسيل خليفة كتب فيها خواطر شعرية نسجها على منوال بول إيلوار وأغنية فيروز ونشرتها الصحافة الوردية المقاومة المعارضة للمقاومة الحقيقية، مثل الأخبار والنهار والديار، وفيها يقول مارسيل:

 

"إلى عهد، أكتب اسمك على رغوة الغيوم، على عرق العاصفة، على أجنحة العصافير، على خطى الإيقاع، على ليل المدينة، على ضوء ذائب، على الأشجار، على الرمال، على البحر، على المطر، على الشوارع، على الساحات، على القلب، وفي كل حبر العالم"

 

وهذا أغرب نسيب نضالي، فليس في هذا الغزل الرقيق كلمة واحدة عن النضال والتحرير، فهي تريد الحسنين الدنيويين: الجمال، والنضال. والصحافة الصفراء تكتب عناوين براقة مثل "شقراء تخيف الاحتلال"، و"البنت التي هزت الاحتلال بركلة".. الاحتلال ميت من الخوف يا أبا النور، إسرائيل لا تنام منذ أن ظهرت عهد التميمي، اليهود يروون لأطفالهم حكايات الرعب قبل النوم: ناموا وإلا جاءتكم الحلوة الشقراء عهد التميمي!

 

 وقلت لنوري إن شعراء بريد القراء، الذين يرمون قشور الموز تحت أرجل القراء كثروا، لقد وجدوا في عهد موضوعاً وصيداً، يقاومون به، ويكتبون الشعر والنسيب، كأن يقول أحدهم: عهد الصغيرة تدافع عن القدس، التي سكت عنها الكبار. أو عهد تدافع عن القدس والمعتصم بالله مختبئ في إحدى الحانات.

 

وأخبرك يا نوري بأن نور، ابنة عم عهد معتقلة، لكنها سمراء، ولا يعرفها أحد، ولا تناسب الكاميرا، وأنك لو طلبت عن نور التميمي أو استبرق التميمي التي حكمت سنتين معلومات من غوغل الخؤون، فسيبدي لك معلومات عهد، فيقهقه الرعد! لأن الإعلام يكيل بمكيال واحد هو مكيال التطفيف، وذكّرته بفيلم اسمه "البطل"، لداستن هوفمان، ينقذ فيه البطل الحقيقي ركاب طائرة محطمة، وينسى نعله، فيأخذه أحد المشردين، المحتالين، ويدّعي البطولة لنفسه، فيصير بطلَ الإعلام والصحافة، لأنه وسيم ويجيد الحديث. والكاميرا لها هوى آخر. لخصت قولي: ما فعلته عهد هو ركلة في ملعب، وعضة، وأصبع وسطى وهذا لا يفسد للود قضية ويحدث في أحسن المباريات الودية.

 

الخنساوات السوريات بالآلاف، والأيامى والثكالى والمحجبات اللواتي يحملن السلاح صورهن غير مرغوب فيها، وبدلاً من أن يصيح الناس وامعتصماه صاروا يصيحون: واعهداه
الخنساوات السوريات بالآلاف، والأيامى والثكالى والمحجبات اللواتي يحملن السلاح صورهن غير مرغوب فيها، وبدلاً من أن يصيح الناس وامعتصماه صاروا يصيحون: واعهداه

وأريته صورة سيدة فلسطينية، يقف وراءها خمسة أبناء مسلحين، تقودهم هي بنفسها، والبندقية في يدها، ولم تحظ بالعناية الإعلامية، لأن الكاميرا الغربية تحب الجمال المدني. اعترض نوري، وقال: ولكن الجمال في كوباني كان مسلحاً أيضا. قلت: هوى الغرب أيضاً كان معهن، وهو الذي اختار الصور، وتبين أنها صورة لعرض أزياء حربية، وإثارة الغرائز لأغراض توافق هوى المركزية الغربية.

 

الخنساوات السوريات بالآلاف والأيامى والثكالى والمحجبات اللواتي يحملن السلاح صورهن غير مرغوب فيها، وبدلاً من أن يصيح الناس وامعتصماه صاروا يصيحون واعهداه، وأنها منقذة، وإن هذا يشبه أن يبحث من فقد ليرة في الظلمة، تحت عمود النور! وأمس رأينا في الأخبار العدو الإسرائيلي ينقل صوراً لعهد في المحكمة وهي بخير، كما قالت لمحاميتها، لكن الخبر أسفل الشاشة قال إنها تعاني من ضغط نفسي ومن البرد، فهنيئاً لها بهذا الضغط، الذي نطمح أن نستجم على رمل سواحله الناعمة.

 

ختمت، وقلت لنوري: جعل الإعلام الأعور عهداً رمزاً، لكني أشعر ببعض الخزي، ربما بالكثير منه، والأطفال في بلادي يُقتلون بالآلاف، وأمثال عهد يُغتصَبن بالآلاف، وقلت: هذه دعاية مغرضة ودس للسم في العسل وتريد تجميل وجه إسرائيل القبيح بوجه عهد الجميل وبشعرها الأشقر، الغجري غير المجنون. وختمت فقلت: الحرية بابُها أحمر.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.