شعار قسم مدونات

حسن إدارة التنوع والبناء الوطني.. جنوب إفريقيا نموذجاً

blogs جنوب أفريقيا

تشكل مسألة إدارة التنوع تحدياً كبيراً للبلدان التي لم ترقَ بعدُ إلى مستوى الدولة القُطرية، لأنها تفتقر إلى سياسة سكانية تقوم على أساس الدولة، بدلاً من القبيلة أو النخبة السياسية أو العسكرية المستأثرة بالسلطة والثروة. ومع غياب سياسة سكانية مستوعبة للتنوع السكاني للبلد ينتاب شرائحَ مجتمعية عديدة شعورٌ عارم بأنها غير ممثلة في الدولة، ما يولد لديها إحساساً بالغبن والشعور بعدم الانتماء. وكثيراً ما أدى ذلك إلى إندلاع الثورات وحركات التمرد وانتشار الجريمة وغيرها.

 

بالنسبة إلى حالة جنوب أفريقيا كانت الأقلية البيضاء من ذوي الأصول الأوروبية هي التي استولت على الثروة والسلطة في البلاد بعد أن استلمت حكم البلاد من البريطانيين وفرضت نظام الفصل العنصري على مدى أربعين عاماً في الفترة 1948 -1992. قام النظام العنصري بتقسيم المجموعات العرقية في البلاد إلى ثلاث مجموعات رئيسية، وهي البِيض والملونون والسود.

 

أما البيض فهم الأسياد، ولهم مطلق السيطرة على السلطة والثروة ونسبتهم 10%، ثم يليهم الملونون، وهم نتيجة التوالد بين السود والبيض، بالإضافة إلى ذوي الأصول الآسيوية، وجميعهم يشكلون 10%، وهؤلاء لهم بعض الامتيازات، وأخيراً السود، وهم سكان البلاد الأصليون، ويشكلون الأغلبية.

 

لعب الزعيم الأسطورة نلسون مانديلا دوراً محورياً في إرساء دعائم إدارة التنوع في جنوب أفريقيا الحديثة منذ أول خطاب له بعد انتخابه رئيساَ لجنوب أفريقيا في 1994
لعب الزعيم الأسطورة نلسون مانديلا دوراً محورياً في إرساء دعائم إدارة التنوع في جنوب أفريقيا الحديثة منذ أول خطاب له بعد انتخابه رئيساَ لجنوب أفريقيا في 1994
 

لقد مارس نظام الفصل العنصري المعروف باسم "الأبارتايت" تمييزاً عنصرياً بشعاً في حق السود والمولونين، في وسائل النقل العام وفي مواقع السكن والتعليم والوظائف وكل أروقة الحياة العامة ولم يكن مسموحاً لهم بالتواجد إلا في مواقع معينة. لم يستسلم السود لهذا الواقع بل قاوموه بكل السبل تحت لواء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة الزعيم الراحل نلسون مانديلا، في حركة نضالية استقطبت تعاطف العالم كله كنتيجة طبيعية لما تعرض له الأفارقة من اضطهاد وتنكيل وتشريد.

 

وأخيراً، تعرض نظام الفصل العنصري لعقوبات صارمة انتهت بعزله تماماً، أدركت معها قيادة النظام استحالة الاستمرار في هذا الوضع، فاضطر إلى الدخول في مفاوضات مع حزب المؤتمر الوطني أنهت حكم الفصل العنصري، لتبدأ جنوب أفريقيا مرحلة جديدة في تاريخها.

 

استطاعت جنوب أفريقيا الجديدة بناء نظام سياسي ناضج، استفاد من تجربة نظام الفصل العنصري لإرساء نظام سياسي مثالي للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع، بمن فيهم البيض المستفيدين سابقاً من النظام العنصري. ولم يكن الأمر بهذه السهولة، لاسيما مع وجود غبن متراكم لعقود.

 

حرص مانديلا على استفادة البلاد من خبرات الأقلية البيضاء وعلاقاتها الخارجية من أجل بناء مشروع وطني لا يستثني أحداً. وكان أبرز ما لفت إليه هو أهمية موقع جنوب أفريقيا في خارطة العالم

لقد لعب الزعيم الأسطورة نلسون مانديلا دوراً محورياً في إرساء دعائم إدارة التنوع في جنوب أفريقيا الحديثة منذ أول خطاب له بعد انتخابه رئيساَ لجنوب أفريقيا في 1994. استطاع مانديلا أن ينتزع النزعة الانتقامية في شعبه تجاه الأقلية البيضاء بقوله "هل نحن نكره البيض لأنهم بيض أم نكرههم لسلوكهم؟" فأجابوا "لسلوكهم"، وبالتالي حدد موطن الداء دون أن يبتر العضو بكامله.  لقد أرسى مانديلا دولة التنوع متخذاً الخطوات التالية:

 

أولاً: تعزيز مفهوم التسامح والعفو وتضميد الجراح، إذ تم تكوين لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة الأسقف ديسمون توتو. عقدت اللجنة جلسات علنية يأتي إليها الجلاد والضحية، فيعترف الجلاد بالجرم ويطلب العفو والصفح من الضحية، ويقوم الضحية بمعانقة الجلاد ثم يبكيان معاً إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتهما. كانت هذه الجلسات بمثابة غسيل أدران الفصل العنصري بكل ما تعني الكلمة. كان مانديلا نفسه حريصاً على تعزيز قيمة التسامح وله مقولات مشهورة في ذلك أصبحت أمثالاً تلهج بها الألسنة "نحن لم نأت لنمارس عنصرية السود مقابل عنصرية البيض، بل نعمل من أجل ألا يتعرض أي شخص بعد اليوم لمعاملة عنصرية".

 

ويروى عنه أيضاً قوله "إذا ظلمك شخص وأنت في موطن ضعف ثم ظلمته وأنت في موقف قوة فقد أعطيته مبرراً لما فعل بك". وفي شأن كظم الغيظ يروى عنه قوله "عندما كنت أسرع الخطى نحو الباب الذي سأخرج عبره من السجن إلى الحرية أدركت أنني لو لم أتخلّ عن الغضب والكراهية لظللت في السجن إلى الأبد". فهذه المقولات وغيرها شكلت أرضية صلبة كانت كفيلة بامتصاص الغضب الجماهيري ضد الأقلية البيضاء التي تلقت هذه المبادرة بدورها باستحسان وعملت بإخلاص من أجل إزالة آثار الفصل العنصري.

 

ثانياً: إرساء دعائم المشروع الوطني: لقد حرص مانديلا على استفادة البلاد من خبرات الأقلية البيضاء وعلاقاتها الخارجية من أجل بناء مشروع وطني لا يستثني أحداً. وكان أبرز ما لفت إليه هو أهمية موقع جنوب أفريقيا في خارطة العالم. بمعنى أن المشروع الوطني يضع البلاد على رأس قائمة الدول الرائدة في البحث العلمي وفي التطور الاقتصادي والتنمية المستدامة. وقد أكد أمام الملأ أن ذلك لا يتم إلا بعد وضع الأكفأ في المكان المناسب. فالمشروع الوطني يستهدف التنافسية العالمية ويقوم على استغلال الموارد البشرية الداخلية بأقصى ما يكون واستقطاب الموارد الخارجية في بند "الكفاءات النادرة".

 

ثالثاً: ترسيخ مبدأ المساواة بين مختلف مكونات المجتمع ومنع كل أشكال التنميط: صدر قانون يفرض على وسائل الإعلام الخاصة والعامة ضرورة إبراز التنوع العرقي للدولة، بحيث يرى المواطن نفسه بصرف النظر عن لونه أو دينه أو منطقته. فمثلاً على مستوى المذيعين ذكوراً وإناثاً لا بد أن تعكس الوجوه التي تظهر على الشاشة السحنات البشرية الثلاث المعروفة على قدم المساواة، وهي السود والبيض والملونون. لا بد من إظهار هذا التنوع حتى في الدعايات الثابتة والمتحركة والملصقات. كما يبرز التنوع أيضاً في المواقع الوظيفية في الدولة، مع تطبيق نظام التمييز الإيجابي الذي يعوض ضحايا الفصل العنصري بعض الشيء.

 

استطاعت جنوب أفريقيا إدارة التنوع الذي تزخر به البلاد بنجاح لصالح المشروع الوطني وقدمت مثالاً للتسامح في العالم، فحققت نهضة صناعية واقتصادية هائلة وتفوقت في البحث العلمي
استطاعت جنوب أفريقيا إدارة التنوع الذي تزخر به البلاد بنجاح لصالح المشروع الوطني وقدمت مثالاً للتسامح في العالم، فحققت نهضة صناعية واقتصادية هائلة وتفوقت في البحث العلمي
 

ليس هذا فحسب، بل حتى أصحاب الاحتياجات الخاصة لا بد من الاعتناء بهم في مكان العمل وإزالة كل المعوقات التي تحول دون اندماجهم في المجتمع وحركتهم. اهتمت الدولة كذلك باللغات المحلية، فاعترفت بـ11 لغة تعدّ اللغات الرسمية للدولة لترضية المكونات العرقية المختلفة، ولكن في الواقع تعدّ اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى. بالإضافة إلى ذلك، اهتمت الدولة باللهجات الإقليمية في إطار اللغة الإنجليزية. وهناك ثلاث لهجات أساسية، وهي لهجة إقليم الناتال، المطل على المحيط الهندي ويغلب عليها لكنة قبائل "الزولو"، وهناك لهجة كيب تاون، المطلة على المحيط الأطلسي ويغلب عليها لكنة "الأفريكانز"، بينما تغلب على لغة إقليم خاوتينغ، التي تضم العاصمة بريتوريا وجوهانسبيرج، لكنة الإنجليزية البريطانية.

 

رابعاً: ممارسة الحرية بمسؤولية: لقد أثبتت التجارب أن العديد من الشعوب تتحمل القهر والاضطهاد ولكنها قد لا تتحمل الحرية، وسرعان ما عادت القهقرى ورضيَت بالقهر والإضطهاد بمحض إرادتها. وما فعلته جنوب أفريقيا هو أنها عززت سلطة القانون وأطلقت الحريات وأصبح الإعلام السلطة الرابعة بمعنى الكلمة. وأصبح الكل يمارس حريته في إطار القانون وأي تجاوز في التعبير عن الرأي يتحمل فيه المتجاوِز المسؤولية أمام القانون.

 

بهذه الخطوات الثابتة استطاعت جنوب أفريقيا إدارة التنوع الذي تزخر به البلاد بنجاح لصالح المشروع الوطني وقدمت مثالاً للتسامح في العالم، فحققت نهضة صناعية واقتصادية هائلة وتفوقت في البحث العلمي، إذ أصبحت جامعاتها في مصاف جامعات العالم الأول وكتسبت احترام العالم وحققت نظاماً سياسياً مستقراً لا يقل استقراراً عن اسقرار النظم السياسية في العالم الأول. 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.