قنوات فضائية أم دكاكين إعلامية؟

blogs - الإعلام

دعونا قبل كل شيء نتفق دون أن ندعي المثالية، لا يوجد وسيلة إعلامية في العالم لا تنفد أجندة الجهة التي تمولها، وهي صاحبتها في الأساس، دون أن ندخل في النوايا، لأن بعض المؤسسات الإعلامية تنطلق من منطلقات حقيقية وهدفها نشر الوعي، وهذا بحد ذاته توجه أيضاً.

عراقياً، مع سقوط النظام العراقي عام 2003، بدأ سوق الإعلام العراقي ينشط شيئاً فشيئاً دون أن تفرضه الحاجة، فرضه تعدد الأحزاب، فُتح الباب للأحزاب للتمثيل السياسي، بعد أن كان مغلقاً لعقود، والقنوات الفضائية وُجدت لتكون مرآة لهذه الأحزاب، فبعد أن كان حزباً واحداً بقناة واحدة، أصبحت أحزاباً متعددة وبحزمة قنوات تلفزيونية فضائية مرخصة كلها، وبعضها يبث التحريض علناً، فالاحتلال الأمريكي الذي حلّ مؤسسات الدولة ومنها الإعلام، تركها بحرية زائفة، بلا ضوابط.

هذه القنوات بكثرتها، لم تخلق وعياً في المجتمع، ولم تكن قادرة على التعامل مع إشكاليات المجتمع الداخل لتوه في حرب، الخارج لتوه من ثلاثين سنة من حكم الحديد والنار، بمعنى أنه كان يجب على تلك المحطات توليد منظومة إعلامية ذات طابع إنساني، خصوصا أن معضلة المواطن الشرقي معضلة ثقافية بالدرجة الأساس، والثقافة من صنع الأنظمة السياسية الحاكمة.

 

من أهم الأسباب التي تجعل هذه القنوات عاجزة عن خلق الوعي هو أنها محطات تلفزيونية مملوكة من الأحزاب، كما أن أولوية استقطاب الصحفيين فيها هي للمنتمين للحزب، أو المؤيدين له على أقل تقدير

إذ يلاحظ أن القناة الواحدة أيام نظام البعث، كانت أكبر تأثيراً من القنوات التي ولدها الانفتاح، فمثلا؛ هناك برامج قد أثّرت في جيل كامل، وأنتجت وعياً "حقيقياً" لا زال راسخاً، في برامج تلفزيونية ومسابقات وأفلام كارتون، تسمى بـ"الزمن الجميل"، أو هكذا يُقال، وإذا ما قورنت تلك بنِتاج هذه المحطات، سيتجلى قصور هذه القنوات؛ فهي لم تقدم إسهاماً يُذكر في وضع العقل الاجتماعي في مكانه الصحيح، ولم تستفد حتى من التقنية التي وفرها لها الانفتاح الإعلامي.

من أهم الأسباب التي تجعل هذه القنوات عاجزة عن خلق الوعي؛ هو أنها محطات تلفزيونية مملوكة من الأحزاب، كما أن أولوية استقطاب الصحفيين فيها هي للمنتمين للحزب، أو المؤيدين له على أقل تقدير، وبطبيعة حكم الأحزاب؛ فإن الواسطة والمحسوبيات جزء أصيل من كُنهها، لذا فإن معيار الكفاءة والخبرة الإعلامية لن يكون مطلوباً، حينها تصبح هذه القنوات مكتظة بـ "صحفيين" لا يفقهون العمل الإعلامي، فكيف لصحفي أو إعلامي طارئ لا يعرف "ألف باء" قواعد اللعبة الإعلامية أن يخلق وعياً.

 

أما الصحفي الحقيقي الذين يحترم نفسه والمهنة فغالباً هو خارج هذه المؤسسات، لأنها تضع الصحفي في دائرة الاتهام، فإذا كنتَ صحفياً تعمل مع هذه المؤسسات فإن سمعتك الصحافية التي تحرص على بقائها ناصعة لن تكون كذلك، كما لن يكون لك هامش من الحرية تستطيع منه التعبير عن هموم الناس أو تطلعاتهم، لأن صاحب المحطة هو جزء من المشكلة التي يعاني منها الناس، فهو أيضاً جزء من عملية سياسية ثَبُتَ فشلها يوماً بعد يوم.

 

فهذه القنوات والمؤسسات الإعلامية ستعالج قضايا ومشاكل المواطن بانتقائية واضحة، فلا يمكن لها أن تنظر إلى مشكلة الفساد مثلا بإطارها العام، بل ستختزل كل الأسباب بسبب واحد، وغالباً لا يجب أن يمس هذا السبب مكانة صاحب هذه المحطة، وبالتالي يتم التعاطي مع هموم المواطن بأحادية لا تصل إلى أي نتيجة في خلق الوعي لدى الجمهور.

 

أضف إلى ذلك الدعاية السياسية والتي تعتبر الهدف "الأسمى" الذي يأخذ الحيز الأكبر للقنوات المحلية التابعة للأحزاب، فرئيس الحزب السياسي له حصة الأسد من نشرة أخبارها؛ (أعلن، قال، خرج، دخل)، بل حتى زياراته العائلية تقدم للناس على أنها أخبار "تستحق المشاهدة".

القنوات الفضائية للأحزاب في جوهرها تجهل حتى الترويج لهدفها المعلن بطريقة إعلامية سليمة، فتَراها تروج لهدفها بالطريقة الصريحة المفضوحة والتي يمكن للطفل الصغير أن يلحظها
القنوات الفضائية للأحزاب في جوهرها تجهل حتى الترويج لهدفها المعلن بطريقة إعلامية سليمة، فتَراها تروج لهدفها بالطريقة الصريحة المفضوحة والتي يمكن للطفل الصغير أن يلحظها
 

لن تحتاج إلى أكثر من أصابع اليد لحساب المواد الإعلامية التي أنتجتها القنوات المحلية العراقية، فالغالبية العظمى لمحتوى مادة البث هي لقاءات ومقابلات وحوارات، بضيوف مكررين، بطرح قضايا آنية بطريقة الصراخ والعويل وبالاعتماد على اللغة المشحونة المحرِّكة للعاطفة الرافعة لدرجة حرارتها، وهذا كله على حساب الصورة، فلا أعمال وثائقية ترتقي إلى المستوى المطلوب تكرس التعايش وقبول الآخر والتعريف بالبلد، ولا برامج تنموية توعوية، أو حتى دراما محترمة، باستثناء نماذج تُعد ناجحة كـ"stand up comedy"، بدأت تُكرس أفكاراً جديدة، لكنها هي أيضا تُعرَض على قنوات لها حساباتها السياسية.

 

ويجب ألا ننسى أن إعلاماً محترماً يلتزم بالمعايير، لا يمكن أن يكون إعلامَ سلطة استبدادية همها الأول تخدير الشعوب، إعلام السلطة لا يمكن الوثوق به كمحارِب للإرهاب، لأن حربه المزعومة تربط الإرهاب بسبب واحد، متجاهلة البعد الذي يضفيه النظام السياسي الحاكم نفسه الذي تمثله هذه المحطات. 

إن القنوات الفضائية للأحزاب -وبحكم التجربة- في جوهرها تجهل حتى الترويج لهدفها المعلن بطريقة إعلامية سليمة، فتَراها تروّج لهدفها بالطريقة الصريحة المفضوحة، والتي يمكن للطفل الصغير أن يلحظها وينفر منها، مع أن الإعلام يخاطب اللاوعي ويغرس فيه ما يشاء متى يشاء، وهذا لا يمكن أن يكون ممكناً في القنوات التلفزيونية للأحزاب، دكاكين الإعلام، لذلك فإن الصحفي الذي لا يستطيع أن يخون الحقيقة لن يتمكن من التأقلم مع هذه المحطات التلفزيونية، وغالباً مصيره الجلوس في البيت، والإطلالة من مدونته الخاصة التي تتيحها له وسائل التواصل الاجتماعي، البيئة الملائمة والمناخ الخالي من الإملاءات.