شعار قسم مدونات

فلسطين وواجبات المرحلة.. نشأة القضيّة

Blogs- فلسطين
قبل أن تبدأ في قراءة هذه التّدوينة والسّلسلة المتعاقبة والمكمّلة لها بإذن الله، أريد أن أوضّح لك أمرين، أوّلًا: إن كُنتَ من المُهتمّين بالقضيّة الفلسطينيّة بشكلٍ عام وكنتَ من غير الباحثين والدّارسين لها فستجد بداخل هذه السّلسلة الكثير من المعلومات الهامّة، وأيضًا ستجد تصحيحا للكثير من المفاهيم والمعلومات المغلوطة والمزيّفة التّي استسقى أغلبنا إيّاها خلال مراحل تعليمنا المختلفة أو من خلال آلة الإعلام.
   
ثانيًا: لو كنت من غير المهتمّين بالقضيّة ومن غير المعنيّين بها فقد بات من غير المقبول بعد كلّ هذه الأحداث والتّطوّرات التّي تشهدها فلسطين والمنطقة بشكل عام أن تكون جاهلا بها! فهذا لا يليق بك كونك فردا من هذه الأمّة! فلعلّك تجد بداخل هذه السّلسلة فرصة لكي تضع قدمك على أوّل الطّريق وتتخلّص من اللّامبالاة. القضيّة الفلسطينيّة قضيّة العزّة و الكرامة، شرف الأمّة المدنّس، كانت ومازالت متعمّقة الجذور في وجدان وعقل كلّ عربي وكلّ حرّ في هذا العالم، بعيدا عن المذاهب الدّينيّة والعرقيّة.
  
قضيّة ثابتة في سويداء القلب، حتّى في عزّ انشغالنا وغمرة الأحداث المحيطة بنا والحروب، هي البوصلة والوِجهة التّي تستطيع أن تضبط قِبلتك عليها أينما كنت، وكي تستطيع أن تدافع عن هذه القضيّة عن علم، لابدّ أن تعرف كيف بدأت المأساة والمشكلة وأطرافها وما جذورها من البداية، لابدّ من تصحيح المفاهيم الخاطئة التّي غرسوها في عقولنا لتزييف الحقائق وطمسها! وهذا ما سأحاول تغطيته خلال هذه السّلسلة من بدايتها إلى يومنا، سأتحدّث عن نشأة القضيّة، وعن بداية التخطيط الاحتلالي والإحلالي، عن الصّهيونية ونشأتها وكيف تمّ الاستيلاء على فلسطين، سأتحدّث عن أكذوبة بيع الأرض وعن التّهجير والتّطهير العرقي، عن التّواطؤ العربي والدّولي تجاه القضيّة الفلسطينيّة، عن اللّاجئين وأعدادهم وما يلاقونه في دول الشّتات، عن الكثير والكثير، سأسرد كل هذا من خلال أبحاث وتوثيقات لكُتاب مختصيّن في القضيّة ووجهات نظرهم فيها.

"نابليون" أوّل سياسي وأوّل من دعا اليهود عبر العالم للاستيطان بفلسطين (مواقع التواصل)
 
نشأة الصّهيونيّة.. كيف ومتى بدأت؟
الصّهيونيّة اليهوديّة نشأت من رحم الصّهيونيّة المسيحيّة. وليم بلاكتسون، الصّهيوني المسيحي الأمريكي هو صاحب كتاب "المسيح قادم" الذّي تُرجم إلى عشرات اللّغات، وهو محرّك أوّل مؤتمر سياسي في أمريكا تحت عنوان "ماضي وحاضر ومستقبل إسرائيل". هذا المؤتمر عُقد في شيكاغو عام 1890، وفي تلك السّنة كانوا يدعون إلى مؤتمر لتمكين الإسرائيليّين من فلسطين، كما قّدّم عريضة تشمل توقيع أكثر من 400 من قيادات المسيحيّين الصّهاينة لدعمه. وكان هذا قبل أن يظهر ثيدور هرتزل، وهو ليس مؤسّس الصّهيونيّة، بل هو أبو الصّهيونيّة الحديثة ممّا يعني أنّ الصّهيونيّة اليهوديّة وُجدت قبله، وسبقتها الصّهيونيّة المسيحيّة بكثير.

ما هي الأسباب الحقيقيّة لهذه الدّعوات؟ وهل كانت دينيّة أم استعماريّة؟
في الحقيقة كانت استعماريّة بقوّة، ذلك أنّه إذا نظرنا إلى الأسباب التّي جعلت السياسيّين في بريطانيا وفرنسا وأمريكا وألمانيا يهتمّون بموضوع نقل اليهود إلى منطقتنا العربيّة بالتحديد؛ يتّضح أنّ الفكرة استعمارية بشكل أساسي، نعم كانت فكرة التخلّص من اليهود مرتبطة باللّاسامية، وهذا موجود كفكر عنصري، ولكنّهم استخدموا الدّيباجة الدّينيّة وروّجوا لأكذوبة أن لو كان اليهود في العالم موجودين في فلسطين؛ فذلك سيؤدّي إلى ظهور المسيح وبدء الألفيّة السّعيدة، وإلى الآن هناك أناس مسيحيّون بروتستانتيّون يؤمنون بهذا، ولكنّ الأسباب الحقيقيّة والدّفينة هي الفكر السّياسي، وهو فكر استعماري عنصري في الأساس يستخدم أحيانا الدّيباجات العلمانيّة وأحيانا أخرى الدّيباجات الدّينيّة.

 

نابليون بونابرت
ولكن ما علاقة نابليون بقضيّة فلسطين؟ ولماذا أصبحت فلسطين قضيّة؟ حاول نابليون إستعمار عكا، وهو أوّل سياسي وأوّل من دعا اليهود عبر العالم للاستيطان بفلسطين عام 1799 (من هنا أصبحت فلسطين قضيّة لعلاقتها بالاستعمار والاستيطان حيث فشلت حملة نابليون على عكا، وفشلت فكرة وجود تصريح بلفوري فرنسي).

محمد علي وفكرة توّحد مصر وسوريا
كما تعلمون، فإن محمد علي باشا حاول أن يوّحد مصر وسوريا لتصبح دولة واحدة، وارتأى الغرب أنّ توّحد هاتين الدّولتين خطير جدا على الفكر الغربي، وأنّ بين هذه المناطق يصبح الذّي نسميّه العالم العربي تراثًا تاريخيًّا وجغرافيًّا وثقافيًّا ودينيًّا عميقًا، ونظرا لتموقع فلسطين بين مصر وسوريا، بدأ الغرب يفكّر في مرحلة مبكّرة ليقطع الطريق أمام أيّ توحّد بين البلدين كقوّتين في هذه المنطقة، منطقة الشّام والشّرق الأوسط وملتقى القارّات إلى آخره… طبعا قرب قناة السّويس وعلى طريق الهند في فترة استعماريّة مهمّة في تاريخ العالم.
 
عام 1882 بدأ الاستيطان في فلسطين غير أنّه لم يكن قويّا، ولكن كان منظّما يحمل فكرا خلفه بدليل أنّ بريطانيا منذ عام 1840 تفكّر في الموضوع، وفي سنة 1860 بدأوا في بناء مستوطنات أكثر
عام 1882 بدأ الاستيطان في فلسطين غير أنّه لم يكن قويّا، ولكن كان منظّما يحمل فكرا خلفه بدليل أنّ بريطانيا منذ عام 1840 تفكّر في الموضوع، وفي سنة 1860 بدأوا في بناء مستوطنات أكثر
 

كانت بريطانيا كانت في تلك الفترة إمبراطوريّة كبيرة وبارمستون كان وزير خارجيّتها، عّين تشارلز هنري تشرشل" الذّي كان قنصل بريطانيا في دمشق، وكتب في عام 1841 رسالة لموسيس حاييم، وهو رئيس يهود بريطانيا، تبادلوا الرّسائل على مدى سنتين حول تأسيس مستعمرات بريطانيّة يهوديّة في فلسطين. في تلك الرّسالة أخبره عن خطّة كاملة لتوطين اليهود في فلسطين، وفعلا بدأ المشروع وتأسّست المستعمرات البريطانيّة اليهوديّة عام 1860، لكنها ظلّت فارغة لفترات طويلة.

ثيدور هرتزل وعلاقته بالصّهيونيّة
ذكرنا أنّه أبو الصّهيونيّة الحديثة، كان صهيونيّا يهوديّا، ألّف كتابا بعنوان "دولة اليهود" يضم 68 صفحة قام بكتابته بعد خمس سنوات من ظهور المؤتمر الذّي دعا إليه وليم بلاكستون، ليصبح بذلك مشهورا في الحركة الصهيونيّة سنة 1896 وبعد إصدار كتابه عُقد المؤتمر الصّهيوني الأوّل الذّي كان عام 1897 ببازل بسويسرا.
 

وفي سنة 1901 أرسل هرتزل رسالة إلى الحركة الصّهيونيّة في أمريكا يحثّهم للحصول على تصريح من الرّئيس الأمريكي يناصر فيه الصّهيونيّة، وفي  الرّسالة نفسها يقول إنّ تصريحا كهذا يُعدُّ أهمّ من مائة مؤتمر يعقدونه في شرق وغرب أمريكا، لكنّ التّصريح لم يتمّ. حاول هو وأصدقاؤه الصّهاينة في المؤتمرات الصّهيونيّة العالميّة أن يستميلوا أيّ قوّة تحتضنهم في فكرة استعمار واستيطان فلسطين أو غيرها، ولم يكن تركيزهم في تلك الفترة على فلسطين فقط.

 

بداية الاستيطان الصّهيوني الإحلالي
 المرّة الأولى التي أتى فيها الصهاينة إلى فلسطين بغرض الاستيطان الاستعماري الإحلالي كانت عام 1882، حيث كان يوجد في فلسطين قلة من اليهود، نسبتهم لا تتجاوز 2 إلى 3 في المائة، فيما شكل العرب والمسيحيون نسبة 40 في المائة في ذلك الوقت، وبالتّالي كان في فلسطين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة، غير أن نسبة اليهود كانت قليلة جدّا، وكانوا سكّانا محلّيّين، منهم من أتى من بعيد إلى فلسطين، ومنهم من كان يسكن في فلسطين نفسها منذ زمن بعيد.
  
 بدأ الاستيطان في فلسطين عام 1882، غير أنّه لم يكن قويّا، ولكنه كان منظّما ويحمل فكرا خلفه، بدليل أنّ بريطانيا بدأت التفكير في الأمر منذ عام 1840، وفي سنة 1860 شُرع في بناء المستوطنات أكثر، وكانت المجموعة التّي جاءت بين عامي 1882 و 1914 من شرق أوروبا واليمن، لأنّ يهود غرب أوروبا وأمريكا لم يرغبوا في المجيء إلى فلسطين، وبلغ عدد اليهود في تلك الفترة حوالي 20 ألف شخص، الكثير منهم أتوا ثم عادوا ولم يقيموا فيها، لذلك ظلّت الأعداد متذبذبة.
كان هذا مدخلا بسيطا لمحاولة فهم القضيّة وبداية نشأتها ومن كان يقف خلفها، ومتى بدأ الاستيطان الفعلي.