شعار قسم مدونات

غريب في الوطن

Blogs- Egypt
من الغريب أن يستشعر المرء الغربة في وطنه، بينما كان من الطبيعي أن يستشعر وجوده فيه، وكما يقول نجيب محفوظ "أشد أنواع الغربة هو ما تشعر به في وطنك"، هذه القولة تفسر طبيعة نظرتي إلى وجودي في أرض تغيب عنها شمس الحياة دون شروق منتظر. لا أخفيكم أنني أشعر بالغربة في وطن ينزف كثيرا رغم ما يبدو للعلن، أنا غريب في مغرب كل شيء فيه يدعو إلى الاستغراب، ولا شيء يبشّر بانتظار غد أجمل، لقد أصابتني الغرابة وأنا ألاحظ باستمرار ما يقع في واقعي من ظلم وطغيان وتجاوزات لا تنتهي، أحاول ألا أكترث لِما يجري، لكن ما يجري يُدخلني في حساباته، فأرفض عدم الخوض فيه، لكنني لا أملك سوى التحسر على مغرب أصبح فيه التحسر مسألة طبيعية.
 
لعل الغربة يتذوقها المغتربون عن أوطانهم، لكننا تذوقناها في وطننا، وربما هذه الغربة تتجاوز تلك التي يُفترض أن نعيشها لو هاجرنا، ولذلك تجد الكثير من الشباب في مجتمعنا لا يحلمون سوى بالهجرة وتذوق الاغتراب بكل ما يحمله من ألم وأمل، ذلك أنهم سئموا من العيش في وطن أصبحت فيه الحقوق بمثابة أحلام والأحلامُ مجردَ أوهام، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
 
لقد بات حب الوطن مجرد وهم يحمله أؤلئك الذين غرقوا في عبادة الوطن، خوفا وطمعا فيه، هؤلاء لم يستفيقوا بعد من سُباتهم، ولازمهم تفكير مُتجاوز، ينظرون من خلاله إلى الأمور بنظرة يسكنها الخوف والخضوع والدوغمائية، ويعتقدون أن حبهم للوطن يمكن أن يضمن لهم حياة كريمة، يُكنّون لوطنهم حبًا لا ينتهي، وفي الوقت نفسه يعيشون محرومين من أبسط الحقوق، ولعله تناقض يسكنهم، لم يجرؤوا على استخدام ملَكة النقد، لأن الخوف يُلازمهم وروح القطيع تطغى عليهم، ولا يملكون من الجرأة ما يكفي للمطالبة بالحقوق، وللتساؤل حول ما يجري، إنهم يكتفون بممارسة الحياة في أبشع صورها، ذلك أنهم يفتقرون إلى الوعي ويتخدون من الجهل أسلوبا في الحياة.
 

عندما ترى أشخاصا يحبون وطنا لا يوفر لهم أبسط شروط العيش فمن الأكيد أن هناك خللا في هؤلاء الأشخاص، لأنهم لم يستطيعوا بعد الخروج من ذلك الجهل الذي تدفعهم إليه الدولة 
عندما ترى أشخاصا يحبون وطنا لا يوفر لهم أبسط شروط العيش فمن الأكيد أن هناك خللا في هؤلاء الأشخاص، لأنهم لم يستطيعوا بعد الخروج من ذلك الجهل الذي تدفعهم إليه الدولة 
 

"حب الوطن من الإيمان".. اعتدنا على سماع هذه المقولة، إنها تؤكد أن الدولة تحاول جاهدة ترسيخ حب الوطن في قلوب الناس بأي طريقة ممكنة، ولهذه الغاية استخدمت كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الدين، نظراً إلى أن نقطة ضعف شعوبنا، مع الأسف هي الدين، إذ يكفي أن تستخدم الدين مع أي شخص لتستحود عليه، لأن هؤلاء البشر يثقون في الدين ثقة عمياء تمنعهم من التشكيك فيه. وقد تمكنت الدولة من توجيه الناس انطلاقا من نقطة ضعفهم، وجعلهم يغرقون في حبها دون مقابل.
 
من الواضح أن الدولة عرفت الطريق إلى عقول الناس، فاستغلت كل المُمكنات، من مدارس ومساجد، من أجل أن تُرسّخ فيهم أن حب الوطن من الإيمان، نظراً لضعف إيمانهم. وهذا ما يجعلنا نرى هذا الكم الهائل من المهووسين بحب الوطن رغم أنهم يعيشون في فقر مُدقع وفي ظروف مزرية، وبالتالي فمن الغريب أن تجدهم مستعدين للتضحية من أجل وطن لم يوفر لهم ما يستحق أن يدفعهم إلى حبه، ومن هنا يتضح أن المشكل مرتبط بالعقليات، فعندما ترى أشخاصا يحبون وطنا لا يوفر لهم أبسط شروط العي  فمن الأكيد أن هناك خللا في هؤلاء الأشخاص، لأنهم لم يستطيعوا بعد الخروج من ذلك الجهل الذي تدفعهم إليه الدولة في كل مرة وفي كل مكان.

 
هؤلاء الأشخاص الذين يُبدون رغبتهم في التضحية من أجل وطنهم، يفعلون ذلك لسببين؛ إنهم يحاولون الحصول على مُباركة الوطن بشيء رمزي، والسبب الثاني مُرتبط بذلك الخوف من "المخزن"، الذي يعشش فيهم منذ أزمنة غابرة، وأصبحت حقوق الإنسان في نظرهم مجرد كفر ورياء بتعبير الشاعر التونسي أنيس شوشان. إنهم لم يفهموا بعد ذلك التناقض الكامِن فيهم، إنه تناقض يصعب فهمه واحتواؤه؛ وينطبق الشيء نفسه على مسألة الدين، فتجدهم مُستعدين للدفاع عن دينهم، لكن في الوقت ذاته لا يُطبقون تعاليمه كما ينبغي، إذ يمارسون الدين بغير ما جاء فيه، ويمارسون النفاق على أنه أخلاق، ويستخدمون أنفسهم وكرامتهم ودينهم وأخلاقهم من أجل مصالحهم ومطامعهم. فظلوا لجهلهم جاهلين، ولدولتهم خاضعين، ولنفاقهم مرافقين.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.