شعار قسم مدونات

علّموا أبناءكم.. أن الشّهيد يصعد لا يسقط

blogs - palestine

بَيْنَ مُختَلِفٍ في مَكانَتهِم في الْجنة وبين مُقرٍّ بِمكانِهِم في جَهنّم، يَفصلُ اللهُ تَعالى في مَكانِهم ومَكانَتِهِم بأنّهم "عِندَ رَبِّهِمْ" أي لَديهِ أي بالقربِ مِنْهُ وليسوا فقط على مَقْرُبَةٍ ساكنةٍ جامِدَةٍ بل "يُرْزَقُونَ" أي هناك هِباتٌ يَقِفُ الْقَلَمُ حائراً في حَضْرَتها لأن الذي قَدْ قرّبهم مِنْهُ هو الْكريم، ولأنّ الذي سَوْفَ يُغْدِق عَليهم هو الله، ذو الْجودِ الْمُطلق، فَيكونُ التّوقيعُ بأنّ النّتائجَ للعطاءِ "فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ" بما نالهم من الله، بَل وهُم في قَرارةِ نُفوسِهم يَنظرونَ بأنّ هناك ما هو أعظم بِلفظة "وَيَسْتَبْشِرُونَ"، أي يَنظرونَ الْبشرى بِمكافأةٍ تفوق التّصور لأنّها من الله.

 

علّموا أبناءَكم.. ما قالَه الدكتور خالد الكركي في كتابه "حماسة الشّهداء": "أن للصليلِ لذّتَهُ ومُوسيقاهُ، وللشهادةِ عِطْرها الذي ينتشرُ عَبْرَ الصّبا إلى آخر نِهاياتِ الزّمان والمكان، ولا ينفصلُ هذا الْمشهدُ البهي عن إيقاع الْقصيدةِ السّريعِ والحاد، إنها نَشيدُ مُستعجلٌ لا يَقْبَلُ أناةَ الْبحورِ الطّويلةِ ولا هُدوءَ الإيقاعِ، فكأنّ دَماً ينهضُ من سُكونِهِ، أو خَيلاً تَعدو في دمِ الْفارسِ الْمُقبل على الشّهادة، إنّها صورةُ خُطوبٍ هائجةٍ كما يَرسُمُها إبراهيم طُوقان في قَصيدته "الشّهيد" تُقابِلُها صُورةُ الشّهيد الغاضبة الباسِمة:

عَبَسَ الْخطبُ فابتسم   وطَغى الهول فاقتحم

 

علموا أبناءَكم.. الشّهداءُ.. الشّهادةُ.. الاستشهادُ.. الشهيد.. مُفرداتٌ تَكادُ يَدي تَندى إذا ما لَمسْتُها ويَنبُتُ في أطرافِها الْوَرَقُ الْخضر.. هذه الْمفردات يُعمّى عليها في زَحمةِ التّساؤلاتِ التي تُروادِ الْمُرجفينَ أليس هذا إِلقاء بالأيدي إلى التّهلكةِ؟ أَوليسَت هذه تَضحية بالنّفسِ الْبشريةِ إلى غَياباتِ الجبّ غير المعلومة مُكوناته؟ أوليسَ قَتْلُ النّفسِ كَبيرة جاء الإسلامُ لِيحفظها؟.. أوليسَ من قَتَلها "فكأنّما قَتَلَ النّاسَ جميعاً" فَكيفَ بِمَن يَقْتُلُها هو ذاتُه؟

 

علّموا أبناءَكم... أنّ يحيى عيّاش لم تَظْفَر بِهِ يدُ الصّهاينةِ إلا من خِلال يد الأقارب
علّموا أبناءَكم… أنّ يحيى عيّاش لم تَظْفَر بِهِ يدُ الصّهاينةِ إلا من خِلال يد الأقارب "وسِوى الرّوم خَلف ظَهرِكَ رومٌ"
 

كلّ تلك التّساؤلاتِ تتوارى من الصّفحاتِ في لَحظة أن نَفْهَمَ أنّ الْفرقَ بين الشّهادةِ وبين ما سِواها أنّ الشّهادةَ رُؤيةٌ ورُؤيا تَلْتَحِمانِ معاً وسِواها هُروبٌ من واقعٍ، وتَجيءُ الشّهادةُ لإصلاحِهِ.

 

علّموا أبناءَكم.. أنهم نبتٌ مِنْ جِيلٍ كان إذا أرادَ أن يُميّزَ بين هُوياتِ الْمدبرينَ للعملياتِ الاستشهاديةِ فقط أن يُدققَ النّظر في "سَقف الْباص؛ فإن كان سقف الْباص طاير فالعملية للقسام".

 

علّموا أبناءَكم.. على مَقربةٍ من قَلعةِ الكركِ احتضنَ جَعفرُ الرّايةَ بعضديه وعلى مَقربَةٍ مِنْ حَلَب خَرَجَ سُليْمانُها إلى قاهرتِها لكي يَجْعَلَ من كليبر شاهداً على أننا أمةٌ واحدةٌ… وبَقي خَيْطُ الدّمِ مُعلقاً ينزُّ من هنالِكَ من بَيْنِ حَلقتي الْمِغْفَرِ وهما ترسخان في وجه النّبي عليه السلام فبقي صدى صوته يتردد في قُلوبِ الأمّهات، إذ يُربين أولادهنّ عليه "يُغفرُ للشهيدِ عندَ أول قَطْرَةٍ من دَمِهِ".

 

علّموا أبناءَكم.. أنّ يحيى عيّاش لم تَظْفَر بِهِ يدُ الصّهاينةِ إلا من خِلال يد الأقارب "وسِوى الرّوم خَلف ظَهرِكَ رومٌ".

 

علّموا أبناءَكم.. أنّ البلاغة ليست تَهريجاً فارِغاً وأنّ الشّعر ليسَ مِهنةَ البطّالين بل هو الذي يُذكي نارَ الْعزيمةَ ويؤسس لِبنيانٍ مَرصوصٍ

علموا أبناءَكم.. ما قاله مُرتضى مُطهّري في مَنْطِق الشّهيد "وللشهيدِ مَنْطِقٌ خاصٌّ.. إنّهُ "مَنْطِقُ الشّهيد" الذي لا يُمكن قياسه بِمنطقِ الأفرادِ العاديين. فَمنْطِقُ الشّهيدِ أسمى، إنه مَزيجٌ مِنْ مَنطقِ الْمُصلِحِ ومَنطقِ العاشقِ.. مَنطق الْمصلحِ الذي يتضوّرُ قَلْبُهُ ألماً لِمجتمعِهِ، ومَنْطِق الْعارِفِ الْعاشِقِ للقاء رَبّهِ.. بِعبارةٍ أخرى، لو امتزجتْ مشاعرُ عارفٍ عاشقٍ للّذاتِ الإلهيةِ بِمنطقِ إنسانٍ مُصْلِحٍ لَنَتَجَ عَنْ ذلك مَنْطِقُ الشّهيد".

 

علّموا أبناءَكم.. أنّ جُموعاً على خُطى الْعشرينَ الصّابرينَ من أَمثال محمد الحنيطي ولؤي الزّيود ويوسُف الْعظمة وعُمر الْمختار ومُعاذ الكساسبة وراشد الزّيود وعبد القادر الحسيني كلّهم يَهتِفون بِدمائِهم أنّ عبقَ الشّهيدِ على الشّهيدِ دَليلُ…  

 

علّموا أبناءَكم.. أنّ البلاغة ليست تَهريجاً فارِغاً وأنّ الشّعر ليسَ مِهنةَ البطّالين، بل هو الذي يُذكي نارَ الْعزيمةَ ويؤسس لِبنيانٍ مَرصوصٍ، فأوّلُ الأمرِ "اقرأ"، وتعالوا لكي نقرأ مع الكبير المتنبي عندما نفخ في الحروف الرّوح وقال:

تَمَرّسْتُ بالآفاتِ حتى ترَكْتُهَا

تَقولُ أماتَ المَوْتُ أم ذُعِرَ الذُّعْرُ

وأقْدَمْتُ إقْدامَ الأتيّ كأنّ لي

سوَى مُهجَتي أو كان لي عندها وِتْرُ

ذَرِ النّفْسَ تأخذْ وُسعَها قبلَ بَينِها

فمُفْتَرِقٌ جارانِ دارُهُما العُمْرُ

ولا تَحْسَبَنّ المَجْدَ زِقّاً وقَيْنَةً

فما المَجدُ إلاّ السّيفُ والفتكةُ البِكرُ

وتَضريبُ أعناقِ المُلوكِ وأن تُرَى

لكَ الهَبَواتُ السّودُ والعسكرُ المَجْرُ

وترْكُكَ في الدّنْيا دَوِيّاً كأنّما

تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشر

علّموا أبناءكم.. أن الشّهداء تمّ اصطفاؤهم لِخصيصةٍ بَينهم وبينَ ربهم، فاجتهدوا لعل قابل الأيام يحمل لكم رسالةَ اصطفاءٍ مَضمونها "إنّ الله اشترى".

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.