شعار قسم مدونات

زيارتان إلى طرة

blogs سجن طرة
الزيارة الأولى

المكان: شارع الشهيد العميد أسامة عوّاد، طرة الأوتوستراد، المعادي، القاهرة، مصر.

الزمان: الخميس 7 ديسمبر 2017.

اليوم انتهوا من بناء المدخل الجديد للمبنى القديم، والذي كلمتكم عنه في التدوينة السابقة. بنوا مدخلاً جديدًا، بوابة جديدة، غرفة جديدة للأمانات، غرفة أخرى مغلقة لتفتش السيدات. وضعوا سيراميكًا جديدًا كذلك ودهنوا الحوائط بدهان جديد، ولكن جهاز التفتيش الضوئي كما هو، العجرفة كما هي كذلك: "اخلعي الحذاء، ضعي المحفظة، مرّي من هنا"…

 

دخلت غرفة تفتيش السيدات الجديدة لأوّل مرّة، صرتُ أداعب من تفتشني، فأنا لا أعطيها بقشيشًا، مهما ألقت من كلمات، مباشرة أو غير مباشرة. فلا بأس إذن من كلمة طيبة ومداعبة. الوجوه من حولي تتكرّر، هناك الكثير من الوجوه التي لا أعرفها. النساء محجبات ومختمرات ومنتقبات. صرتُ آلَف الوجوه من حولي. كثيرًا ما أراهنّ في زيارات سابقة. أحيانًا أتحدث مع إحداهن، وأحيانًا أكتفي بهذه الألفة البصرية.

 

الأعداد كبيرة. ولا أعرف أيًّا من الحاضرات. طفلة عمرها أقلّ من عام تبكي بشدة. تأبى التوقف عن البكاء مطلقًا. أعيَت أمّها وكربني صوتها. قامت أمّها تهدهدها، وحاولتُ أخذها وحملها لكن دون جدوى

طابور خاصّ بزائرات سجن "شديد الحراسة 1" أو العقرب كما هو معتاد. ينادي الضابط "وائل" (اسم مستعار) بالاسم، تلبّي الزائرة وتدخل. إحدى الزائرات اليوم جاءت من محافظة البحيرة. زوجها معتقل في العقرب منذ شهر ونصف تقريبًا. كان قبل ذلك محبوسًا في سجن دمنهور في قضية انتهت درجات التقاضي فيها. كان عضو مجلس شعب في عام حكم جماعة الإخوان المسلمون. أخبرتني باسمه ونسيته. تكبّدت السيدة مشاقّ السفر من البحيرة إلى القاهرة، فقط لأجل أن تحجز موعد زيارة.

 

تذكرة الطفطف اليوم تضاعف سعرها إلى جنيهين، قلت للصّبي: لماذا تريدوننا أن ندفع ثمن تجديدات المبنى؟ دخلت غرفة الانتظار. الأعداد كبيرة. ولا أعرف أياً من الحاضرات. طفلة عمرها أقلّ من عام تبكي بشدة. تأبى التوقف عن البكاء مطلقًا. أعيَت أمّها وكربني صوتها. قامت أمّها تهدهدها، وحاولتُ أخذها وحملها لكنْ دون جدوى.

 

جلست بقربي امرأة شابّة. قلت لها: تبدين صغيرة، لمن تأتين؟ قالت: لزوجي، في سجن الاستقبال، ولست صغيرة، بل لديّ أربعة أطفال. كانت منتقبة. تابعت: زوجي سُجن في 10 ديسمبر  2015 وقد أخذته قوة أمنية من البيت، وظهر في الاستقبال بعد أن اختفى عدّة أسابيع. لم يُعطِنا الطفطف المنتظر فرصة أكثر من هذا للكلام؛ فلم أعرف اسمها ولا اسم زوجها ولا رقم القضية.

 

أتت امرأة أخرى منتقبة كذلك تسلّم عليّ، قالت تعرّفت عليك في الزيارة السابقة. كانت هي المرأة التي وصفتها في تدوينتي الأخيرة. كان عليّ تركها فورًا وتلبية نداء الطفطف: "مزرعة.. شديد 2" وصلت إلى سجن المزرعة… انتظار قصير ودخول. كان يؤذّن للظهر.

 

انتهت الزيارة وخرجت، لأنتظر الطفطف طويلاً، ثم جاء وخرجت لأجد السيدة البحيرية، زوجة عضو مجلس الشعب عن دائرة البحيرة أيام الرئيس الأسبق محمد مرسي، في الانتظار. تتكلم في الهاتف أمام السجن، لا تزال تفاوض على موعد الزيارة وقد أصبحت الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا على التقريب. حاولت أن أكلّمها فأشارت إليّ بالانتظار. لم أُطِق ولم أنتظر. تكفيني الزيارة. قطعت الطريق الموحش إلى نهر شارع الأوتوستراد. استقللت تاكسي وذهبت.

 

معاناة أهالي المعتقلين أمام سجن طرة  (الجزيرة)
معاناة أهالي المعتقلين أمام سجن طرة  (الجزيرة)

 

الزيارة الثانية

الزمان: الأحد 17 ديسمبر 2017

وصلت متأخرة، ولكن ليس كثيرًا. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر ظهرًا. الآن انتهت التجديدات تمامًا وتحول المدخل القديم إلى محلٍ للبشاعة. أمّا المدخل الجديد فأراه بشعًا كذلك؛ فالباب صغير مثل القديم، ولكنْ أقيم سور حديد مصنوع بطريقة بدائية جدًا يمتص الحرارة ويحفظها. نحن في الشتاء الآن، ولكن أتصور أنّ هذا الحديد سيكون بالغ الحرارة في الصيف. رفض الضابط المسؤول عن تفتيش المتعلقات إدخالي، مدّعيا أنّ الوقت انتهى. كيف يمكنني أن أعود هكذا جارّة أذيال الخيبة! طلبت الدخول عدّة مرات، وبعد محاولات عديدة، وافق الضابط "وائل"، أخيرًا، على إدخالي.

 

لم يكن بحوزتي إعاشة. فاليوم يصادف مرور ما يزيد عن أسبوعين بعد تمام السنتين على اعتقال إسماعيل. وقد جئت بأملٍ ضعيف ألاّ يكون هنا. سلّمت هاتفي سريعًا وأنهيت التفتيش. سارعت بالدخول للحاق بالطفطف. كان خاليًا إلاّ من بعض الموظفين، فقد تأخرت كثيرا. وصلت إلى سجن المزرعة تعتريني دهشة. هل سأجد إسماعيل أم لا؟ لم يُنقل لحضور جلسة مشورته في المحكمة الأسبوع الماضي لتجديد حبسه. كنتُ مستعدّة لجميع الاحتمالات، وإن كنتُ أشعر بأنّي سأجده كما هو في سجنه، وكان هذا ما حدث! قيل لي: أرسلنا طلب استعلام للنيابة، وجاء الرد: سنوافيكم بالخبر. ولا أزال إلى الآن في انتظار الخبر. 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.