شعار قسم مدونات

حديث الغربة.. حكايات من بلاد الجن والملائكة

blogs - ايفل 3

وجدتني أحيا في بلاد غريبة وسط أناس غرباء.. فرنسا، بلد الجن والملائكة، قلعة النور وحصن الحرية الحصين، أو بلد العطور والجبن إن شئت.. عام بطوله وعرضه عشته هناك. جمعت أوراقي التي كتبتها والتي لم أكتبها وقررت أن أكتب. على أي حال ومهما تكن النتيجة، وربما لأني ما عرفت جديرًا بأن يعرفه غيري أو لأن الظن على الغير بما تكشفه لنا التجارب والأيام ضربٌ من خبث النفس.. وعليه قررت أن أنشر مقتطفات من هذه التجربة لعل القارئ بذلك يصيب نفعًا يُرتجى.

القاهرة -شارل ديغول

كان ذلك في أول فصل الشتاء حين عزمت على السفر لدراسة العمارة في فرنسا؛ وبعد الاستخارة واستشارة أهل الخبرة والثقة، إذ نصحني الأولون بالسفر فيما آثر الآخرون السلامة من باب: "البلدْ دي أحسن من غيرْها"، كما كان لتعويم الجنيه المصري وإجراءات التضييق على المعاملات المصرفية للمصريين في الخارج -قبل سفري مباشرة- الأثر الكبير في نصيحة الكثيرين بصرفي عن السفر. وإذ أذكر أحدهم يسألني بانزعاج "إنت مسافر تدرس ولا تِشحتْ؟ الحكاية متقفلة من كل ناحية".. خلاصة الأمر أنني توكلت على الله وحزمت حقائبي. السابعة صباحًا.. مذياع السيارة يصدح بصوت الشيخ "رِفعت"، فتتبخر ذبذباته على طريق المطار في أجواء رمادية كعادة الشتاء. داعبني صديقي: "طبعًا، حتترحم على أيام البرد هنا لأنك مسافر في أصعب فترة في شتاء أوروبا.. عارفْ درجة الحرارة في باريس كام النهار ده؟"، "أربعة؟ خمسة؟"، "ده بالنهار.. بليل ربنا معاك بقى.. هاهاها".

أقلعت الطائرة مكتظة بركابها ومضت لحظات وأنا أشاهد القاهرة من الأعلى.. كأن مبانيها عبوات مثقوبة وشوارعها خيوط سوداء متفاوتة!
أقلعت الطائرة مكتظة بركابها ومضت لحظات وأنا أشاهد القاهرة من الأعلى.. كأن مبانيها عبوات مثقوبة وشوارعها خيوط سوداء متفاوتة!
 

وصلت مطار القاهرة فاستقبلني طابور طويل من البشر في بهو المطار الجديد. قادمون من كل الوجهات ومسافرون إلى كل الوجهات..واقفون بأمتعتهم وأحلامهم أمام التفتيش. هنالك -أمام البوابات- ضروري أن يخلع المرء كل شيء، حتى خفّيه، فلا يبقى عليه سوى ملابسه وبدون حزام.. كما يضطر المرء إلى تحمل سماجة طالبي "البقشيش" من عمال المطار وتهانيهم الملحة ذات المعنى: "كل سنة وإنت طيب يا باشا"، فيغض الطرف عنهم أو ربما يدفع وسيف الحياء مسلط على رقبته! طال الوقوف في الطابور. وبغريزة القلق، سرى الضجر، فتبادل الواقفون التعليقات الغاضبة، فيما بدأت بعض المشاحنات التي لا تَنُم إلا عن انفلات الأعصاب ونفاد الصبر.. رأيت أُناسًا يجرون مكالمات سريعة ثم يخرجون من الطابور متجهين إلى بوابات مخصصة لرجال الأعمال -وليسوا منهم- حيث يكون في انتظارهم من يسهل لهم عملية الالتفاف، فيشتيط من كانوا حولهم في الطابور غضبًا وتنصبّ اللعنات من كل مكان على الجميع، حكومةً وشعبًا!

مضت ساعة كاملة حتى أصابني ما أصاب الآخرين من السخط والقلق وبدأت أرقب عقرب الثواني في دورانه الأبدي وتخيلتني أعود إلى منزلي خالي الوفاض وقد فاتتني الطائرة.. ولكن مررت -لله الحمد- من بوابة التفتيش ومضت  الاجراءات في ما بعد سريعة حتى حصلت على الختم، ختم الخروج.. لحظتها، تذكرت ما قاله أحد أساتذتي "بعد ختم الباسبور، سيتبدل حالك إلى الأبد"، وفاتني أن أسأله هل سيتغير إلى الأفضل أم إلى الأسوأ.

أقلعت الطائرة مكتظة بركابها ومضت لحظات وأنا أرى القاهرة من الأعلى. كأن مبانيها عبوات مثقوبة وشوارعها خيوط سوداء متفاوتة. وبعد قراءة أوراد وأدعية السفر تلهيت بالقراءة والموسيقى، حتى حان وقت الغداء، إد يتم توزيع الوجبات على الركاب. وأثناء الطعام كنت أختلس النظر إلى فتاة شقراء تجلس إلى جواري.. والحق أني كنت أراقب طريقتها العجيبة في تنسيق الطعام في الأطباق الصغيرة وفي تناول ومضغ الطعام على مهل -على غير عادة المصريين- وزادت دهشتي حينما انتهت الفتاة من الطعام وبدأت "تمسح" الأطباق مما علق من بقايا الطعام بقطعة من الخبز ثم تأكله! وهو أمر مستهجن في غالب بيوتنا العربية، فعلى سبيل المثال لا يليق بضيف، في مصر مثلًا، أن يلعق الطبق ولو بقطعة خبز وإلا ظُن فيه مضيفوه جوعًا أو حرمانًا أو شرهًا مقيتًا.. ولكن وفي ما بعد عرفت أن العكس في أوروبا هو الصحيح حتى سألت أحد الفرنسيين عن ذلك فأجاب باستنكار "بقايا الطعام من الطعام.. لذلك فمكانه المعدة وليس سلة المهملات".

في بهو انتظار القطار جلست  استعدادًا للنصف الثاني من الرحلة، جلَست إلى جواري أسرة أوروبية، أحدهم طفل بين الثالثة والرابعة، كان جميلًا كأنه مخلوق من الجنة، لم أمنع نفسي من مداعبته فرمقني أبواه بنظرة غاضبة
في بهو انتظار القطار جلست  استعدادًا للنصف الثاني من الرحلة، جلَست إلى جواري أسرة أوروبية، أحدهم طفل بين الثالثة والرابعة، كان جميلًا كأنه مخلوق من الجنة، لم أمنع نفسي من مداعبته فرمقني أبواه بنظرة غاضبة
 

تجاذبت أطراف الحديث مع "جولي". عرفتُ أنها باحثة ألمانية تعمل في جنوب أفريقيا لصالح وكالة أوروبية مهتمة بتطوير المجتمعات الأفريقية، وأن تخصصها الدقيق الأنثروبولوجي هو ما جعلها تتجاوب معي في نقاش عن بنية المجتمعات في دول أفريقيا وكيف يجاهد الأفراد لتكوين كيانات مترابطة رغم الفقر والمجاعات واختلال النظم الحاكمة. علمت منها أنها حصلت على إجازة قصيرة لزيارة أخيها المقيم في باريس، حيث رُزق بطفل من "رفيقته" الفرنسية. بعد خمس ساعات بالتمام حتى هبطت الطائرة في مطار شارل ديغول ووجدتني أبدأ السير في ممر حجري طويل، كأنه من كهوف "لاسكو" (Lascaux) وقد ازدان باللوحات الفنية واللافتات الارشادية حتى انقسم بعده الركاب فريقين أو طابورين، طابورًا للأوروبيين وطابورًا لمن سواهم.. وبطبيعة الحال، بدت الحركة في الطابور الأول، حسب ما رأيت، أسرع من الطابور الذي أقف فيه؛ ولكن النظام وإشراف موظفي المطار على سير حركة الطابور أسهما في سرعته وهدوئه بغير تذمر وبغير مكالمات خارجية مع أناس مهمين أو مطالبات ببقشيش.. فالنظام هنا سيد الموقف وسيد الجميع.

كان يتوجب علي بعد استلام حقائبي أن أستقل قطارًا صغيرًا لينقلني إلى محطة القطار الكائنة بالمطار، حيث أنتظر القطار الثاني الذي سوف يحملني إلى مدينة ليون، ومنها سأنتقل إلى قطار ثالث وجهته غرونوبل، حيث سأقيم.. وبفعل أرق الليلة الماضية والإرهاق وتعب السفر، وجدتني أتحرك بصعوبة بحقائبي حتى سقطت على درج صاعد، وسقطت الحقائب فوقي، ومرت ثوان وأنا أحاول النهوض فيما لم يكترث أكثر المحيطين باستثناء يد واحدة امتدت تساعدني وتحمل إحدى الحقائب، كانت عجوزًا سمراء في زي الراهبات الأبيض وذات ابتسامة هادئة رزينة. صعدنا سويًا الدرج وسألتني عن وجهتي فأجبتها فاستأذنتني وعادت، بعد لحظات، حاملة قطعا صغيرة من الورق بعدد حقائبي وقالت، وهي تضحك: "ينبغي كتابة اسمك على هذه الأوراق ووضعها على كل حقيبة طالما أن سفرك طويل"، وصحبتني في القطار الأول ثم انصرفت مودعة، متمنية لي الحظ الوفير.

في بهو انتظار القطار جلست ألتقط أنفاسي استعدادًا للنصف الثاني من الرحلة، وفيما كنت أنتظر قطار ليون جلست إلى جواري أسرة أوروبية.. أب وأم وطفلان، أحدهما بين الثالثة والرابعة.. كان الطفل يلهو مرحًا حول أبويه وكان جميلًا كأنّه مخلوق بديع من مخلوقات الجنة، لم أمنع نفسي من مداعبته وهممت باللعب معه فرمقني أبواه بنظرة غاضبة لم أفهمها حينئذ، حتى أدركت في ما بعد الذعر الذي يقترب من "الفوبيا" تجاه حالات التحرش بالأطفال في أوروبا، وهي حوادث مبعثها جميعًا اضطراب "البيدوفيليا" أو الولع بالصغار.. حان الموعد، موعد قدوم قطاري الثاني، فخرجت من البهو لأنتظر على الرصيف الخارجي فلفحني برد شتاء أوروبا القارس لأول مرة وشعرت بمعطفي وسائر ملابسي تمضغها هبّات الرياح الباردة.. تذكرت لحظتها ما قاله صديقي في الصباح عن أجواء الشتاء في أوروبا فابتسمت. حضر القطار في موعده، ثم غادر شارل ديغول ليحملني إلى ليون، ومنها إلى مدينة غرونوبل، حيث ابتدأ عالم جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.