شعار قسم مدونات

الكرتون الذي ينقذنا

blogs كرتون الثور فيرديناند
"فرديناند" (ferdinand).. الثور الذي وُلد ليجد نفسه داخل مزرعة تؤهل الثيران ليكونوا أبطال مصارعة الثيران، أو هكذا يتم الزج بهم في الوهم. في منتصف ساحة المزرعة نُصب تمثال لثور عملاق يتوج كبطل إثر انتصاره في معركة الثور المنتصر. في المزرعة يقضي باقي حياته حرًا دون سور ولا قيد، المنتصر دون سواه هو من ينال حريته، ولكن لم ير أيّ منهما ذلك المنتصر أبدًا.

يحلم الجميع بالحرية التي يثقون في أنها لا تُنال إلا بالقتال، حياتهم يحكمها قانون محتوم، إما النصر والحرية وإما أن يلقى بهم في المذبح. في تلك الظروف التي تعامل معها الثيران كأنها قدَر لا مفر منه، بدأ فرديناند يتساءل: لمَ.. لم كان لزامًا علي أن أقتل لأنال حريتي؟ لمَ لا أظل أستمتع بالزهور التي يأسرني جمالها وأنعم بالحرية في قضاء بقةي عمري بين الأزهار؟ يصبح فرديناند وحبه للزهور مثار سخرية بين أقرانه ليتنمر عليه أحدهم بأنه "ثور الزهور".

"لقد كان ثورًا رقيقًا، الثيران الرقيقة سرعان ما تموت".. سمعها فرديناند من أحد رفاق أبيه الذي أعدوه بعد ذلك، ميتًا من حلبة المصارعة، ليهرب فرديناند، ليكتشف أن العالم أكبر من المزرعة وأكبر من أسوارها وأن العالم في الخارج مليء بالأشياء الرائعة، مليء بالهواء الطلق والزهور الجميلة الملونة؛ والأعظم من كل ذلك، مليء بالحرية وأن الثيران التي تركها وراءه سجنتها أفكارها قبل أن تسجنها أسلاك المزرعة.

مشهد من كرتون
مشهد من كرتون "فرديناند" (مواقع التواصل)

 
يجرب فرديناند الحب لأول مرة بعد أن وقعت في حبه فتاة صغيرة تعتني به ويكبران سويًا. يصبح فرديناند الصغير كبيرًا جدا، ضخما بصورة لا مثيل لها، وضخامته تلك هي التي ستقوده إلى المزرعة التي هرب منها مرة آخرى ليكون الثور الجديد في المعركة المقبلة؛ يعود ناقمًا على كل شيء. ومن أول لحظة يقرر الهروب والعودة إلى ما يسميه "الوطن"، ذلك الذي لا يكون فيه مقهورًا ولا مسجونا، وطنه هو أرض حريته.

يقابل ذلك الثور الذي سماه قديمًا "ثور الزهور" ويتفاجأ فرديناند بأن كل تلك السنين لم تُنسِه كرهه له. ومضي يفتعل معه الشجار ليختير أحدهما ليشترك في المصارعة المقبلة. لا يفهم ما يقوله فرديناند "لا أريد أن أقاتل"، وتجيبه جميع الثيران "كيف تكون ثورًا دون أن تقاتل؟"..

"لمَ لا نرقص؟" يسألها فرديناند؛ إن لم تكن لنا وظيفة سوى القتال فلمَ لا نستبدل القتال بالرقص؟ يرقص فرديناند ويحفّز رقصه رفاقه فيرقصون سويًا رقصة مليئة بالحياة ليوبخهم الثور الذي يتحفز للقتال أن ذلك لا يليق بكونهم ثيرانا وأن الثيران لا يجدر بها ذلك، فالرقص للحيوانات الأضعف أما الثيران فوظيفتها الوحيدة أن تُقتل لمتعة الجمهور.

يقع فرديناند في قبضة صاحب المزرعة ليقاد إلى حلبة المصارعة فيصمد في مواجهة خصمه ولا يبدأ بهجوم ويحاول تفادي الضربات ليتوسل الجمهور للمصارع أن يتركه يعيش لتنهال عليه الزهور
يقع فرديناند في قبضة صاحب المزرعة ليقاد إلى حلبة المصارعة فيصمد في مواجهة خصمه ولا يبدأ بهجوم ويحاول تفادي الضربات ليتوسل الجمهور للمصارع أن يتركه يعيش لتنهال عليه الزهور
 

ينفذ فرديناند خطته للهرب بالاستعانة بأصغر الكائنات حجمًا في المزرعة، ويمر في طريقه ببيت صاحب المزرعة ويرى ما لا يتوقع، يرى جدارًا مليئًا بقرون الثيران المهزومة التي قتلت في ميدان المصارعة، ليدرك أنه لا ثور منتصرا، كلهم مهزمون، وهذا قدَرهم الأوحد، ليس النصر إلا طعمًا رمي إليهم وما هم ببالغيه.

يقرر الرجوع لينقذ الجميع، يهربون سويًا ويقع هو في قبضة صاحب المزرعة، ليقاد إلى حلبة المصارعة فيصمد في مواجهة خصمه ولا يبدأ بهجوم ويحاول تفادي الضربات التي يوجهها خصمه، ليتوسل الجمهور للمصارع أن يتركه يعيش، لتنهال عليه الزهور من كل حدب.

دخلت أشاهد فرديناند في دار العرض وعلى عاتقي إحساس لا يتركني بمرارة الهزيمة؛ وحين انتصر فرديناند دمعت عيناي وصفّقت، لقد انتصر ثور الزهور ولم ننتصر نحن رغم أننا لم نرد سوى ما أراده فرديناند: وطن نشم فيه الأزهار بحرية ولا يكون لزامًا علينا أن ننتظر الرحى وهي تطحننا. أردنا أن تنتصر الثيران الرقيقة ولو لمرة واحدة.

هل كان ممكنا أن ننجي أصدقاءنا من القتل إن هتفنا بحياتهم ورمينا عليهم الزهور ليحيوا؟ هل كان ممكنا أن نتوج كأبطال في معركة حاربنا فيها بنبلٍ ولم نبتدئ القتال؟ هل سننقذ أنفسنا في الحقيقة أم سنهرع بعد كل هزيمة نتلاقها إلى فيلم كرتوني عله ينقذنا؟ فنبدأ الفيلم مفعمين بالهزيمة، لينتهي مهللين بالنصر.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.