طقوس التحية وخصوصية الجسد

blogs الانحناء للتحية

أسلوب التحية والسلام هو عنوان ومقدمة لثقافة كل شعب أو جماعة، بل هو مرآة عاكسة وكاشفة لكثير من معالم تلك الثقافة ويحمل دلالات عن تصور الثقافة لخصوصية الجسد ومدى احترامها لتلك الخصوصية. وعلم النفس يحدد خصوصية الجسد من خلال عدة دوائر تحدد كل دائرة قرب المسافة والمساحة التي يمكن أن يصل إليها الفرد على أساس درجة قربه ومعرفته من الآخر.
 

ولما كان الدين محددا أساسيا من محددات الثقافة، فإن دين الإسلام لم يفوِّت الفرصة ليضع لمسته على هذا الأمر، حيث يحثُّ الإسلام على إلقاء التحية وإفشاء السلام لما له من آثار إيجابية على العلاقات الاجتماعية، بل ويجعل عليه أجرا، كما لم يفته أن يحدد أسلوب التحية ويضع له ضوابط بين الجنسين المختلفين. وهذه المقالة محاولة لوضع أساليب وطقوس التحية على مسطرة "المساحات الشخصية" باعتبارها دلالة لتصور الثقافات المختلفة لـ "خصوصية الجسد"، فكلما كان طقس التحية يقع في مساحة أقرب، كان ذلك دلالة على انفتاح هذا المجتمع في تعامله مع خصوصية الجسد.

المساحات الشخصية كما يحددها علماء النفس

يقول خبراء علم النفس إن لكل جسد مساحته الشخصية الخاصة التي تحيط به، وعندما يقترب أحد من هذه المساحة أو يخترقها يشعر الفرد بالضيق أو الانزعاج إذا لم يكن الآخر مرحبا به، وتختلف هذه المساحة بحسب طبيعة الشخص الذي تتعامل معه، فتنقسم هذه المساحات إلى أربعة أنماط من الدوائر هي: "الدائرة الحميمية" وتكون للمحبين والأطفال وأفراد العائلة المقربين والأصدقاء المقربين، وتقدر بربع إلى نصف متر، و"المسافة الشخصية" وهي للأصدقاء والزملاء وتقدر بمسافة ذراع (من 1.5مترإلى 1.25متر)، و"المسافة الاجتماعية" للغرباء والمعارف الجدد، وتقدر بين 4 و8 أقدام (1.2 متر إلى 2.4 متر). وأخيرا "المسافة العامة" والتي لا تقل عن 8 أقدام لمخاطبة الجمهور.

undefined

طقوس التحية حول العالم

تعتبر المصافحة بالأيدي هي أكثر طقوس التحية انتشارا حول العالم، باختلاف الثقافات والديانات، فالمسلمون يقومون بالمصافحة باعتبارها سنة عن النبي محمد (ص) حيث ورد في الحديث الشريف: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا"، وكذلك يفعل المسيحيون وحتى اليهود، وهي البرتوكول المتبع بين رؤساء الدول والمسؤولين في المناسبات والأحداث.

 

ويدور جدل فقهي بين المسلمين حول جواز مصافحة الرجل والمرأة لما تمثله المصافحة من ملامسة وتقارب جسدي يضعه ضمن دائرة الأصدقاء، فبعض الفقهاء يضعها ضمن المحرمات والبعض الآخر يجيزها بشروط، والبعض يجيزها بلا شروط. إلا أن الدافع وراء قبول ذلك أو رفضه يعود لدى الكثيرين إلى مدى تقبل الوسط المجتمعي لذلك الطقس، ففي المجتمعات المنغلقة يعتبرون ذلك تعديا على خصوصية المرأة. وبشكل عام فإن المصافحة كطقس يتسم باحترام لخصوصية الجسد لدرجة كبيرة وحتى في الثقافات والمجتمعات المنغلقة، وهو ما يجعلها الطقس الأكثر انتشارا في العالم. 

أما التقبيل فهو ثاني أشهر طقوس التحية وأكثرها انتشارا، وبوضع هذا الطقس على مسطرة المساحات الشخصية نجد أن هذا الطقس يكون للمقربين نظرا لوقوعه في "المساحة الحميمية"، وفي المجتمعات المنغلقة لا يكون هذا الطقس إلا بين المقربين جدا، ويحدد الإسلام أن مثل هذا الطقس لا يكون إلا بين النساء وبعضهن، أو الرجال وبعضهم، وبين المحارم. في اليابان والهند وألمانيا وبعض المناطق والقبائل الآسيوية يعتبر التقبيل أمرا غير مقبول، لما يمثله من إشارة جنسية، بينما في مجتمعات أخرى أكثر انفتاحا نجد التقبيل هو طقس التحية الأساسي، مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا وسويسرا والبرازيل والأرجنتين وغيرها، وفي بعض البلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية، يعتبر التقبيل بين الرجال غير مقبول حيث يوحي بالشذوذ الذي ينتشر بشدة هناك، في حين يعتبر التقبيل بين الرجل والمرأة مقبولا هناك.

أسلوب وطقس التحية المتبع لا يعكس فقط ثقافة بلد أو جماعة ما وتصوراتهم عن خصوصية الجسد، بل إنها تعكس اختلاف هذه الثقافة وتصوراتها من أسرة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر

الانحناء أحد طقوس التحية المتبعة في بلدان متعددة وجماعات وقبائل في مناطق مختلفة خاصة في القارة الآسيوية، فنجدها في الصين واليابان والهند وتايلاند وغيرها. وهو طقس يعكس بشكل كبير احترام خصوصية الجسد، كما يعكس انغلاق المجتمع وتسيد طبيعة الشخصية الانطوائية. ويختلف شكل الانحناء من بلد أو جماعة لأخرى، فهناك في الصين يكون الانحناء فقط وقد بدأت المصافحة في التسرب للمجتمع الصيني خاصة في المقابلات الرسمية، أما في تايلاند فيكون ضم اليدين مع الانحناء وكلما ارتفع مستوى اليدين عبر عن مزيد من الاحترام، وفي أندونيسيا ضم اليدين في ارتفاع الخصر مع الانحناء، وفي اندونيسيا وتركيا قديما ومناطق أخرى يقومون بإحناء الرأس مع وضع اليد عل الصدر أو المسح عليه عقب المصافحة للتعبير عن الإكرام والمحبة بالإشارة إلى محل القلب.

العناق هو طقسُ تحيةٍ يكون بين المحبين والأقارب والأصدقاء المقربين، حيث يقع في أقرب دوائر المساحة الشخصية، ويكون العناق طقسَ التحية في بعض المجتمعات حيث يعكس طبيعة المجتمع الانفتاحية والاجتماعية، وكذلك التربيت أو الضرب على الكتف، وهو طقس شهير متبع في اليونان بين عامة الناس، لكن أغلب المجتمعات تعتبره طقسا خاصا بالأزواج والمحبين والمقربين، حيث يعبر عن دفء العلاقة، لكن بعض الثقافات المنغلقة تعتبر ذلك اختراقا لخصوصية الجسد أو قد يحمل إشارة جنسية.

يتجلى تصور الثقافات المختلفة عن خصوصية الجسد في عملية التنشئة والتربية التي يتم من خلالها نقل الثقافة من جيل إلى جيل، حين يبدأ الآباء والأمهات والمربون بتلقين الأبناء والأطفال الصغار ما هو مقبول من الآخرين من سلوكيات تتعلق بأجسادهم، فيبدأ الطفل في تعلم مَن القريب ومَن الغريب، وما السلوكيات المقبولة مِن هذا وذاك، وتزداد أهمية هذا الأمر مع تزايد المعدلات العالمية للتحرش بالأطفال.

أسلوب وطقس التحية المتبع لا يعكس فقط ثقافة بلد أو جماعة ما وتصوراتهم عن خصوصية الجسد، بل إنها تعكس اختلاف هذه الثقافة وتصوراتها من أسرة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر، كما تعكس درجة التزامه الديني الذي يعتبر محددا أساسيا من محددات الثقافة، كما تعكس نمط شخصيته إذا ما كان انطوائيا أو انبساطيا، وكذلك مزاجه وحالته النفسية، كل ذلك يمكن استنباطه من مجرد أسلوب التحية باعتبارها إحدى لغات الجسد التي تحكي الكثير عن الإنسان وأحواله، والمجتمع وثقافته.