شعار قسم مدونات

الغربة والغربة المضادة

Blogs- lonely

ما الاغتراب؟ هو الشعور بعدم الارتياح في محيط ما، يليه شعور بالوحدة، فموجة من النوستولوجيا، ولمن لا يعرف شيئا عن النوستولوجيا، فهي الحنين الشديد إلى الماضي والرغبة في استرجاع الذكريات وتمني العودة إليها. الاغتراب أزمة وجودية تعيشها حينما لا تتطابق ذاتك مع محيطها أو هي معضلة فلسفية يصعب حلها عندما تتيقن أن ما يحول بينك وبين من حولك من اختلافات أكثر مما يجمعكم من تشابه.

 
متى يصيبك الاغتراب؟ عوارض الاغتراب كثيرة، ميل إلى التقوقع على النفس، صعوبة شديدة في التواصل مع الآخرين، استعراض لذكريات الماضي بعاطفية، أي أن تصوُر ذكرياتك بكيفيةرومنتيكية تجعل الماضي يبدو أكثر روعة وجمالا مما كان في الواقع؛ على سبيل المثال، عندما تحاول استرجاع ذكرياتك عن يوم عادي قضيته مع أهلك، يصبح هذا اليوم ذكرى ممتعة كانت فيه أمك الحنون تسكب قهوتك المفضلة وكان أبوك طيب المزاج يشاهد التلفاز.

 
قد لا يكون ذلك ما وقعفعلا. ربما كانت أمك نائمة أو ربما لم يكن أبوك هادئا وقتها. لكن عقلك الخبيث يخدعك ويتآمر مع ذاكرتك الماكرة لتتدفق لك فقط الذكريات الجميلة. ذاكرتك لا تختار لك سوى أفضل الأيام التي قضيتها، وان عجزتْ يتولى عقلك اختراع ذكريات لم تكن موجودة أصلا. كل هذا لكي تشتاق إلى ما كانت الأمور عليه، لكي تشتاق إلى وطنك، أهلك، بيتك، جيرانك، وحتى سيارتك القديمة التي كنت تشكو كثرة عطبها. عادة ما تصيبك هذه الأعراض عندما تبتعد فترة من الزمن عن كل ما ترتاح اليه أو ما يعرّفه الغرب بالـ"comfort zone"، وهي جملة العناصر التي تتوافق مع تكوين ذاتك كالأشخاص المقربين لك، الأماكن المألوفة وأشيائك المفضلة. هي في العموم كل ما هو امتداد لذاتك وما يوفر لك بالضرورة راحة نفسية.

  
السفر هو المثال الأكثر شيوعا. بل إنه أصبح بطريقة ما مرادفا لكلمة الاغتراب لما يجمعهما من شبه، ابتعاد عن الأهل، عن الوطن، عن الفقاعة الصغيرة التي كنت تعيش مرتاحا فيها إلى حد ما، لتجد نفسك في مكان غريب عنك مع أشخاص لا تعرفهم ولغة لا تفقه منها الكثير. "مسافر إلى الغربة"، "مغترب"، "راجع من الغربة".. كلها تعبيرات تدل على الاقتران بين السفر والاغتراب. كثير ممن هاجروا وجدوا صعوبة في التأقلم مع محيطهم الجديد، خاصة في الفترة التي سبقت العولمة، حيث كانت الهوة الثقافية والحضارية واسعة جدا بين الشرق والغرب أساسا، وحتى بين بلد وآخر وحيث كانت سبل الاتصال نادرة. من الطبيعي، إذن، أن يشعر المرء بالحنين إلى وطنه وأهله، إلى حارته والوجوه التي اعتاد رؤيتها كل يوم. 

 

مواضيع الحديث أصبحت كلها غريبة عنك. تتمنى أن يعود بك الزمن إلى الوراء لعل الماضي يكون أكثر ألفة لكنك تكتشف أن الماضي الذي بذهنك أصبح بذاته غريبا عن الماضي الحقيقي
مواضيع الحديث أصبحت كلها غريبة عنك. تتمنى أن يعود بك الزمن إلى الوراء لعل الماضي يكون أكثر ألفة لكنك تكتشف أن الماضي الذي بذهنك أصبح بذاته غريبا عن الماضي الحقيقي
 

إن الاغتراب هو عكس الانتماء. وعلى قدر ما يوفره الانتماء من راحة نفسية لوجود المرء في مكانه الطبيعي، يسبب الاغتراب قلقا مستمرا يرافق المغترب على الأقل لفترة من الزمن ويزداد حدّة إثر كل تصادم حضاري يعيشه. إن السفر أو الانتقال إلى بلد اخر مقترن، في أغلب الأحيان، بالاغتراب. لكنْ ينبغي ألا نحصر الاغتراب في السفر لأنه توجد أشكال أخرى يشملها هذا المفهوم، ومنها ما هو أشد خطورة وهو الغربة المضادة. ولكي نفهم الغربة المضادة، علينا أولا أن نفهم الاغتراب المكاني والاغتراب "الزمكاني".

الاغتراب المكاني أو الاغتراب الكلاسيكي هو ألا ينتمي فرد إلى مجموعة ما تختلف عنه من حيث الخلفية العرقية أو المرجعية الثقافية، وهو ما يمثله العيش في بلد آخر أو في بيئة جديدة. إن الاغتراب المكاني شائع إلى درجة أنه غيّب الشكل الثاني، ألا وهو الاغتراب "الزمكاني"، رغم أن الأخير أكثر تأثيرا وحدة على المرء. الاغتراب "الزمكاني" بكل بساطة هو ألا تتطابق ذات الفرد مع مجموعته التي نشأ فيها، وذلك لابتعاده عنها لفترة من الزمن. ولكي نفهم هذا الصنف من الاغتراب، علينا أن نفسر ظاهرة علمية.

 
كان العالم تشارلز داروين من أكثر المهتمين بنظرية التطور. وخلال تجاربه ومطالعاته لبحوث سابقة في المجال نفسه، لاحظ شيئا مهما: توجد جزيرة جنوب القارة الأمريكية تدعى "غالاباغوس" وعليها كان يعيش صنف نادر من الطيور. إثر زلزال ضرب المنطقة، انقسمت الجزيرة إلى نصفين. ومع هذا الانقسام اضطر سرب من هذه الطيور إلى أن يعيش بعيدا عن المجموعة. بمرور الزمن، أصبح هذا السرب غير قادر على الانتماء إلى النصف الآخر من المجموعة. لاحظ داروين أن العوامل المناخية المختلفة وانعدام التواصل بين الفريقين غيّرت هذه الطيور جينيا من حيث الشكل وطرق التواصل إلى درجة أن التلاقح الجيني بينهما أصبح مستحيلا.

           
يفسر داروين هذا بظاهرة "التأقلم"؛ إن الكائنات، بما فيها البشر، تسعى إلى البقاء على قيد الحياة. ومع تغير ظروف عيشها تضطر هي نفسها إلى تغيير نمط تفاعلها مع محيطها بتغيير شكلها، سلوكها، وحتى موسم تزاوجها. الأمر يتطلب مئات السنين لكي تتلاءم الطفرات الجينية مع محيطها. لكن في النهاية، يقول داروين، لا يمكن أبدا أن تعود هذه السلالة إلى ما كانت عليه في السابق. هذا هو بالضبط ما يعنيه الاغتراب "الزمكاني"، أن يكون العامل الزماني أيضا سببا في ألا يعود المرء كما كان من قبل.

  

قد لا يتغير شكل الإنسان كثيرا بابتعاده فترة من الزمن عن مكان نشأته وترعرعه. لكن قناعاته ومبادئه لا بد أن تتغير، كليا أو نسبيا
قد لا يتغير شكل الإنسان كثيرا بابتعاده فترة من الزمن عن مكان نشأته وترعرعه. لكن قناعاته ومبادئه لا بد أن تتغير، كليا أو نسبيا
 

في الاغتراب "الزمكاني"، يجد الفرد نفسه مغتربا عن ماضيه وعن نفسه القديمة، وذلك لانقطاع التواصل مع بيئته الأصلية،وتأقلمه طوعا كان أم كرها، مع بيئته الجديدة. بمرور الزمن، يشكل هذا التأقلم عائقا في سبيل عودة المرء كما كان في السابق لاختلاف البيئتين أولا ولاعتياد الشخص على ظروفه الحالية وارتياحه لها ثانيا. قد لا يتغير شكل الإنسان كثيرا بابتعاده فترة من الزمن عن مكان نشأته وترعرعه، لكن قناعاته ومبادئه لا بد أن تتغير، كليا أو نسبيا. وهذا كاف لأن يشعر المرء بالغربة في أهله عندما يعود بعد غياب طال على الأغلب سنين.
     
هذه هي الغربة المضادة بعينها، أن تكون غريبا وسط أهلك ووطنك، ألا تتطابق ذاتك مع صورتها القديمة، أن تصبح قناعاتك القديمة غريبة عنك وألا يعود الحوار مع بني جلدتك مألوفا لك. الغربة المضادة هي مقاطعة مع الماضي، لم يكن لك فيها ذنب سوى أنك رحلت عن عشك لتطلب علما أو عملا أو فرصا جديدة. الغربة المضادة أخطر من الغربة وأشد إيلاما لأنها تتعارض مع توقعاتك. إن البيت الذي كنت تصبو إليه لم يعد يعجّ بالفرحة كما كنت تتخيل، وإخوتك الذين كنت لا تملّ من مرافقتهم أصبحت مجالستهم لا تطاق، لا لشيء عدا أن ما يهمك لا يهمهم وما يهمهم لا يهمك.

  

أشكال المزاح والمرح ومواضيع الحديث أصبحت كلها غريبة عنك. تتمنى أن يعود بك الزمن إلى الوراء لعل الماضي يكون أكثر ألفة لكنك تكتشف أن الماضي الذي بذهنك أصبح بذاته غريبا عن الماضي الحقيقي. لم يكن البيت يعج بالفرحة دائما وإخوتك لم يكونوا طوال الوقت إلى جانبك. إن الماضي الذي تحن إليه لم يكن سوى وهم اخترعته بخيالك لتجد شيئا يربطك بذاتك القديمة لتثبت أنك، على غرار الاخرين، تملك تاريخا ووطنا وأهلا، والأهم من كل ذلك، أنك تنتمي.
  
قد تسبب الغربة غربة مضادة، وقد يكون المرء محظوظا فيجد الديار كما أحب قلبه أن تكون، أو قد يكون تعيسا فلا يجد في ابتعاده عن أهله طمأنينة ولا في العيش معهم راحة، وذلك هو الغريب، الغربة إذن أيها القارئ ليست مكانا، إنها حالة نفسية، وأرجو لك أن تجد في غربتك ما يقوي عزيمتك وإيمانك بنفسك، أرجو لك الصبر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.