الحكومة السويسرية تغلق ملف أموال نظام مبارك، خبر مفاجئ -ربما- للبعض، يتبع الخبر مباشرة خبر صغير مقتضب في ركن منزو عن رفع حظر منع السيدة هايدي راسخ زوجة علاء مبارك -نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك- من التصرف في أموالها، ليسدل الستار -على ما يبدو- أخيراً عن الجزرة التي تلاعب بها المجلس العسكري السابق عقب تنحية حسني مبارك وأركان حكمه (من المدنيين) عن سدة الحكم، وليغلق باب أحلام الثراء التي دفعت الكثير من المصريين إلى المناداة بالهدوء، لإعطاء الفرصة لجلب الأموال من الخارج.
خرج اللواء العصار على شاشة الفضائيات ليزف إلى الشعب المسكين بشرى قرب عودة الأموال، شريطة أن تُلغى فكرة المحاكمات السياسية لمبارك وأركان حكمه، وخرج بعدها إعلاميون بعينهم، لا أَجِد وصفا لما فعلوه إلا بأنهم "تلاعبوا" بعقول البسطاء المنهكين، فمثلا؛ خرج أحمد المسلماني يعلن أن مصادره تقول إن حجم الأموال يقارب الـ ٦٠٠ مليار دولار، هكذا بلا أدنى تردد يقفز برقم يعجز صناع قصص الفانتازيا عن تخيله، ويزيد بأن يُفصل الأمر بأن نصيب كل رضيع مصري ٤٠ ألفاً من الجنيهات، ونصيب الأسرة المتوسطة ربع مليون جنيه.
كانت جزرة الأموال واستعادتها، اللعبة الأكثر خبثاً على الإطلاق لوأد طموحات الثورة، ابتلعها الطامعون السذج، وسكتَ من سكت، ولم يتبق إلا العصا لمن لم تُعم عيونَه الجزرة، تنزل فوق رأسه، تدمي جسده، تنهك ما تبقى من قوته، لا أَجِد فيما أرى أي لوم على الجانب السويسري، اشترط الجانب السويسري منذ البداية أحكاما قضائية نهائية على المتهمين، إذ قال النائب العام السويسري، مايكل لوبير، إنّ بلاده قدمت 30 طلبًا للحكومة المصرية للمساعدة القضائية، ومنذ بداية التحريات كان هدف السلطات السويسرية إعادة الأموال إلى مصر.
وشدد النائب العام السويسري على أهمية أن تكون الأحكام القضائية الصادرة نهائية وباتة، وتتعلق بقضايا الفساد والاستيلاء على المال العام، وربط ذلك باسترداد مصر لأموالها. وأمامنا حالات تم فعلاً استرجاع أموال تم تهريبها إلى سويسرا، فقد أعادت سويسرا 684 مليون دولار من أرصدة الرئيس السابق فرديناند ماركوس إلى الفلبين، و700 مليون دولار من أرصدة الجنرال ساني أباتشا إلى نيجيريا، كما أعادت سويسرا وبلدان أخرى إلى بيرو أكثر من 180 مليون دولار من الأموال التي سرقها المسؤول الحكومي السابق فلاديميرو مونتيسينوس. وهكذا فلا يضيع حق وراءه مطالب، فماذا فعلت الحكومات المصرية المتعاقبة من بعد الإطاحة بمبارك؟

حسناً، أمامنا أرقام لحجم فساد علني على أركان حكم مبارك، بحسب تقرير أذاعته محطة BBC البريطانية عن ثروات أركان مبارك، تقدر حجم الأموال في سويسرا وحدها بحوالي ٧٠٠ مليون فرنك سويسري -ما يزيد عن خمسة مليارات جنيه مصري- كان نصيب الأسد فيها لنجلي الرئيس علاء وجمال مبارك، بالإضافة إلى أركان نظامه؛ سوزان ثابت، وهايدي راسخ، وأحمد عز، وخديجة الجمال، ورجل الأعمال حسين سالم، والدكتور أحمد نظيف، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وزهير جرانة وزير السياحة الأسبق، ورشيد محمد رشيد وزير التجارة الأسبق، وأحمد المغربي وزير الإسكان الأسبق، ويوسف بطرس غالي وزير المالية، وسامح فهمي وزير البترول الأسبق، ومحمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق، وصفوت الشريف، وزكريا عزمي، والراحل عاطف عبيد رئيس وزراء مصر الأسبق.
أرجع الجانب السويسري قراره بإغلاق الملف إلى عدم جدية الجانب المصري، وعدم تقديمه ما يثبت تورط نظام مبارك في الفساد، خرج المصريون إذاً بلا بلح الشام أو عنب اليمن كما يقول المثل الشعبي الشهير، لم يسمع أحد لأصوات القلة من الشباب، الذين طلبوا محاكمات سياسية تليق بثورة شعبية أطاحت بديكتاتور، يُحاكم فيها مبارك عن سياسات أدت إلى حال مزري لبلد عظيم بحجم مصر، يدفع فيها أمام التاريخ ثمن ما اقترفت يداه في حق المصريين، يحاكم عن استبداد سياسي، وقمع وتعذيب لمعارضيه السياسيين، ومسؤولية مباشره بصفته رأس السلطة عن كل من قضى تعذيباً وانتهكت كرامته في أقسام الشرطة.
وعن مستشفيات يدخلها المريض طلباً للشفاء فيخرج منها على ظهره ميتاً إهمالاً وفساداً، عن سرطان يستشري ويتوطن بدخول صفقات فاسدة من المبيدات تحت أعينه، عن عبارات غرقت وذهب هو، والضحايا لا تزال جثثهم في عرض البحر، يحتفل ويستمتع بمباراة لكرة القدم، يحاكم بصفته رأس النظام عن كل شهيد سقط في الثورة، على الأقل كمسؤول سياسياً قبل أن يكون جانياً. تلاعبوا بالجميع وخرج مبارك هازئاً بالجميع جانياً ثمرة اختياره لمن يخلفه، ولينتهي هذا الفصل وتلك الجولة بنجله علاء يكتب علي صفحته الشخصية "فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ".. ولا أرى في نفسي أي ندم على الخروج على مبارك، ولا أرى ما يحدث إلا جولة يتبعها جولات، والبقاء للحق.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

