الاختلاط.. لم يكن يوما من الإسلام!

blogs الاختلاط

يبدو الأمر مقلقا للبعض حين يجتهد المرء أن يتفكر ويتدبر الأشياء، إن التدبر والتفكّر بصوت مسموع في عالمنا العربي صار أمرا مشينًا يدعو إلى رجمه بأشد أنواع الشتائم والسباب، وحين يصبح الأمر سيئًا إلى ذلك الحد فعلينا أبدًا ألا نتساءل لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا؟

 

إن رفع الحصانة عن كثير من الأفكار الخاطئة التي أُنزِلت بمرور الزمان عليها؛ منزلة المعلوم من الدين بالضرورة هو أمر حتمي للمرور الأكيد إلى بدايات الإصلاح والتماس طريق الصحة والتقدم، إذ الدلالة إن تعلّقت بالألفاظ، فهي -كما في المصباح-: "مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ".! أما إن كان الدليلُ غير لفظي كأن يكون عقلياً مثلاً؛ فهو ما يقتضيه ذلك الدليل، أي مضمون الدليل ومحتواه، يقول الجرجاني في تعريفاته إن الدلالة: "هي كون الشيء بحالةٍ يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيءُ الأول هو الدال، والثاني هو المدلول!"، فالدليل إذن موصلٌ إلى شيءٍ آخر غيره، هو المدلول، وهذا يعني أنهُ إن لم يوصلنا إلى شيءٍ؛ فلا يصح أن يُسمّى دليلاً!

 

والفهم هو التصورُ والإدراك، وعندئذٍ فإننا سنجدُ بين الدلالة والفهم علاقة، وهي أن إدراك الدلالة هو الفهم، فالفهم متعلقٌ بشيءٍ نفهمه، وهو مدلول الدليل. هذا في حال تعلّق الفهم بالدليل؛ أما بغير استحضار فكرة الدليل، فإن الفهم هو مطلقُ التصور، إذ ليست كلُ المدركات مدلولاتٍ وأدلة..

 

لم تعرف النصوص الإسلامية جميعها المعتمد عليها في استنباط وضع التشريعات والحدود؛ لم تعرف بتاتًا مصطلحًا يُسمى الاختلاط، بل كان المصطلح مجرد استحداث فقهي جاء في إطار كونه خطوةً مزيدة احترازية

من هنا فقد آثرت اليوم أن أتحدث عن الاختلاط بين الرجل والمرأة، ذلك الأمر الذي تُحرمه كثير من الفتاوى الشرعية. يقول وول ديورانت في كتابه "قصة الحضارة": "لم تكن دمشق مدينة عربية، بل كانت من المدن القديمة التي خضعت لحكم الإغريق الذين يفرضون النقاب على نسائهم. وإن عادة حجب النساء عن الرجال موجودة من عهد البابليين، والبيوت في بابل كانت بها أجنحة خاصة للنساء، وإذا خرجن يصحبهن رقباء من الخصيان والخدم.

 

وكان أهل اليونان لا يسمحون لنسائهم بالخروج إلا إذا تحجبن وصحبهن من يُوثق به، أما فيما عدا هذا فكانت المرأة تقبع في منزلها ولا تسمح لأحد أن يراها من النافذة. وكانت تقضي معظم وقتها في جناح النساء القائم في مؤخرة الدار، ولم يكن يُسمح لزائر من الرجال أن يدخل فيه، كما لم يكن يُسمح لها بالظهور إذا كان مع زوجها زائر. وقد اكتُشِفت أخيراً آثار لحجرات خاصة بالحريم في بيوت اليونانيين القدامى سمّيت "GINECEO".

 

ويؤكد الباحث عماد الحسني، أستاذ مقارنة الأديان، أن كلمة اختلاط لا علاقة لها بالإسلام في قوله: "إن كلمة الاختلاط فيما يتعلق بالمرأة والرجل موجودة ضمن بعض معاجم المصطلحات اللاهوتية. فالاختلاط في القاموس الكنسي كان بخصوص منع بعض الكنائس للراهبات من الاختلاط مطلقاً بالرهبان على أساس عدم تحريك الهاجس الغريزي بترك الرهبنة، ومن ثم التفكير في الزواج".

 

ثم قال المتأخرون منهم فيما بعد: "لا مانع من الاختلاط في حضرة المسيح، فكلا الطرفين مرتبط بالمسيح، شبعان بنعمته، ومقدس بروحه؛ لذلك فهو يختلط في روح أخوية مقدسة". واستندوا في رأيهم هذا إلى نص "فيلبي 4″، ونص "رومية 16″، الذي يبيّن نموذجاً مقدساً للاختلاط المسيحي، حيث كان الخدام والخادمات يعملون معاً في كرم المسيح، في نقاوة وعفة وتحفظ، والجميع أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة.

 

إن تلك الصورة الماثلة في أذهاننا عن صلوات المسلمين أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لصحيحة جدًا، وهي بشكل أو بآخر تُقربنا من ذلك المعنى الذي نبحث عنه في هذا المقال ونتحراه، مسجد واحد غير مُقسم يحوي في ذاته مصلين من الجنسين، الرجال في الأمام والنساء في الجزء الخلفي من المسجد، إنها لسماحية شديدة يُقرها الإسلام في أدبياته الأولى بالنظر لما يحتمه البعض الآن على الناس من تشدد ومن فصل تام بين مساحات الصلاة لكلا الجنسين، لم يكن المسجد حينئذ للصلاة وفقط، بل كان بمثابة البيت الكبير الذي يجتمع فيه الجميع من أجل التعبد ومناقشة أمور الدين والدنيا والحياة. وبطبيعة الحال كان الجانب النسائي حاضرا يستمع كما يصلي.

بالنظر إلى الصورتين السابقتين حيث الماضي والحاضر ندرك المدى المتوغل في التشدد الذي قطعناه، حيث من المفترض أننا نؤدي الصلاة بماهيتها وتفاصيلها تبعًا لما كان عليه النبي ومن بعده أتباعه، لا أننا نسير خطوات مزيدة بعد ما قطعوه من خطوات، وكذلك الأمر بالنسبة لكل الأمور العالقة التي يمكن أن نلتبس فيها أو نشك، من هنا يمكننا السير أكثر باتجاه مصطلح "الاختلاط" ومعالجته وبيان مدى الخطْوِ الزائد المتشدد الذي أضافه الشُرّاع إلى الفقه والأحكام الإسلامية، متجاوزين بمفاهيمهم وأحكامهم المستنبطة ما كان عليه المسلمون الأوائل من تيسير وفقه وفهم.

القدرة على إحالة ما ليس بذاته دليلاً إلى دليل تعدُّ ضرباً رفيعاً من الاستنباط الذي كثيراً ما يتفاوت في دقته من حيث دلالته وغرابتها
القدرة على إحالة ما ليس بذاته دليلاً إلى دليل تعدُّ ضرباً رفيعاً من الاستنباط الذي كثيراً ما يتفاوت في دقته من حيث دلالته وغرابتها
 

لم تعرف النصوص الإسلامية جميعها المعتمد عليها في استنباط وضع التشريعات والحدود؛ -لم تعرف- بتاتًا مصطلحًا يُسمى الاختلاط، بل كان المصطلح مجرد استحداث فقهي جاء في إطار كونه خطوةً مزيدة احترازية رأى منها الشارع الناس من موقع الوصي الذي يحميهم من شرور أنفسهم. وكأن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أحرص الناس على عفة المسلمين وسير حياتهم- غفِل -والعياذ بالله- عن سن مثل هذا المصطلح وبيان حكمه تحريمًا أو إباحة، مع الوضع في الاعتبار أن النبي وحديثه الشريف لم يترك شيئًا من التعاملات اليومية للناس إلا وتحدث فيه، فكيف به إذًا لا يتحدث في أمر ربما فرص حدوثه متوفرة كل يوم، من خلال تعاملات الناس وقضاء حوائجهم.

 

وبهذا سنعلم أن القدرة على إحالة ما ليس بذاته دليلاً إلى دليل تعدُّ ضرباً رفيعاً من الاستنباط، الذي كثيراً ما يتفاوت في دقته من حيث دلالته وغرابتها، فالأذكياء يقتنصون الدلائل على أفكارهم من أشياء لا يظهر لغيرهم فيها أنها أدلة، أو يكتشفون مدلولاتٍ ينفذون إليها من خلال ما تبدّى لهم لأول وهلة كـ"أدلة"، أي أنهم يسترشدون إلى المدلولات المضمرة والمطمورة في الوجود من غير أبوابها المعهودة، فيبدؤون تارةً من الدليل فيصلون به إلى مدلوله، وتارةً من المدلول فيصعدون على أكتافه إلى دليله، كالشجرة التي نستدلُ على جذورها بجذعها، وبجذعها على جذورها!

 

وبنظرة فاحصة نجد أن مختلقي هذا المصطلح اعتمدوا فيه على أمرين، أولهما الاستنباط ومقاربة المعاني عبر عديد من المواقف والأحاديث النبوية وكذا الآيات، وثانيهما تقديم براهين عقلية وركائز فقهية تدل على صدق ما قالوا به من مصطلح، متغاضين في هذا الإطار عن ما أوثر في السير ومواقف المسلمين أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده أصحابه؛ من مواضع تجتمع فيها النساء مع الرجال متفاعلين بالنقاش والأخذ والرد دون أدنى مشكلة، اللهم ما شدد عليه صلى الله عليه وسلم عبر كثير من الأحاديث من حرمانية النظر الذي يثير الشهوات ويؤجج الفتن، وها هنا نرى الإسلام مُحددًا في بيانه الأمور ونصحه للمؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وإلزامه لهم إن وجد داع للحديث أن يكون دون مباشرة بالنظر أو الانكشاف المعنوي.

 

"يَا نِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" الأحزاب (32/34)، فالآيات بلا شك كما هو موضح، موجهة إلى نساء النبي خاصة، وذلك لعظم شأنهن ولمكانتهن الروحية والحكمية في الإسلام، لكن بعض الفقهاء اتخذه دليلاً واضحاً يوجب منع الاختلاط.

 

سد ما يعتقد أنها ذرائع هو سد لمسارات الحياة الطبيعية التي يتفاعل ضمنها الإنسان رجلًا كان أم امرأة، والإسلام لم يأتِ أبدا ليعطل على الناس حيواتهم، وإنما جاء ليمهد سبيل الرشاد
سد ما يعتقد أنها ذرائع هو سد لمسارات الحياة الطبيعية التي يتفاعل ضمنها الإنسان رجلًا كان أم امرأة، والإسلام لم يأتِ أبدا ليعطل على الناس حيواتهم، وإنما جاء ليمهد سبيل الرشاد
 

وحتى عندما نزلت الآية، لكن في الحرب الكل كان ينزل ويحارب بلا غضاضة ولا إنكار عليهن، وقد ثبت عند البخاري في "الجهاد والسير" وغيره عن أنس بن مالك قوله: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبى بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا ثمَّ تُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ".

 

من منطلق آخر، في أعظم شريعة وعبادة في الإسلام وهي "الحج"، وكما هو موضح لدينا جميعاً أنها أكثر العبادات اختلاطا، إذ يمكننا بسهولة أن نخلق مكانا للنساء وآخر للرجال، لكن الوحي شرعها هكذا دون فصل، يطوف ويسعى كل من الرجل والمرأة في نفس الزمان والمكان إلى جانب بعضهما البعض لا يفصل بينهما حاجز، كلٌّ منشغل بمناجاته وتلبيته وهمومه وروحانيته الخاصة.

 

إن اختبار الله فينا ماضٍ، النساء فتنة للرجال والرجال فتنة للنساء، وليس النجاح أبدًا بتعطيل الحياة والتضييق على العباد بحجة سد الذريعة الموصلة إلى وجود هذه الفتنة، إن سد ما يعتقد أنها ذرائع هو سد لمسارات الحياة الطبيعية التي يتفاعل ضمنها الإنسان رجلًا كان أم امرأة، والإسلام لم يأت أبًدا ليعطل على الناس حيواتهم، وإنما جاء ليمهد سبيل الرشاد الذي على جانبيه تشيّد الأخلاق وتقوى وتكون أكثر صدقًا، لا عبْر الهروب والاختباء وإنما عبر مباشرة الحياة الطبيعية الجائزة شرعًا، مواجهين خلالها كل الفتن والزلات بقلوب قوية متحدية، وبإيمان عميق راسخ.

 

لو لم يكن الاختلاط يوماً مشرعاً لكنا اليوم أقل شهوةً وأكثر وعياً ولرأينا النساء والرجال في العلم والمناصب سواء، فلا فقه يحرم ولا عوائل تأخذ بالتشريع ولا أي من هذه الجرائم التي تحدث يومياً فكر فيها أحد من قبل!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان