ليس ترمب وحده يا قدس

blogs ترمب
 
لم يقم الكيان الصهيوني في أرض فلسطين على أي حق أو منطق من الدين أو الخلق أو التاريخ، فهو كيان دخيل على المنطقة غريب عنها، فرض نفسه بالقوة واستعان بالاستعمار لتثبيت أقدامه ومساندته الدائمة له، واستغل ضعف العرب والمسلمين وتفرقهم، اللذين أدّيا إلى ذهاب ريحهم وضياع قدرتهم على التصدي والمواجهة، وما كان قرار ترمب الأخير اعتبار القدس عاصمة للاحتلال الصهيوني أن يُعلن إلا بموافقة أطراف سياسية عربية فاعلة في المنطقة.

 
ووفق مصادر عديدة نقلت عنها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية (3-12-2017م) فإن ولي عهد المملكة السعودية، محمد بن سلمان، قد مارس ضغوطاً شديدة على محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية لقبول خطة جديدة من شأنها أن تكون أكثر ميلاً نحو الإسرائيليين من أي وقت مضى؛ سيحصل الفلسطينيون بمقتضاها على دولة خاصة بهم، على جزء صغير من الضفة الغربية بسيادة محدودة على مناطقهم، مع بقاء معظم المستوطنات الإسرائيلية التي يعدها المجتمع الدولي غير قانونية، ولن يحصل الفلسطينيون على القدس الشرقية عاصمة لدولتهم، بل سيتم التخلي عنها لصالح إسرائيل، ولن يكون هناك حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين ولا لأبنائهم. وأضافت الصحيفة أن بن سلمان أخبر عباس بأنه إذا لم يقبل بذلك فإنه سيتم الضغط عليه لتقديم استقالته كي يفسح المجال أمام البديل الذي سيقبل تأدية هذه المهمة.

 
كما صرح الكاتب البريطاني ديفد هيرست، رئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في مقاله، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يكن ليقدم على قراره بشأن القدس لولا الدعم الغريب الشاذ الذي تلقاه من قادة المحور، الذي يقف خلفه في المنطقة، وهم حكام السعودية والإمارات والبحرين ومصر، ممن وصفهم بـ"الصبية العابثين" الذين يمارسون التفحيط، وكونوا محوراً للعرب المستبدين ممن يتجاوز طموحهم الجيوسياسي مقدرتهم، ويعتقدون أن لديهم القدرة على فرض إرادتهم، ليس على شظايا الدولة الفلسطينية فقط؛ بل وعلى المنطقة ككل. (ميدل إيست آي 7-12-2017م).

 
منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا بقيت قضية فلسطين كما هي دون حراك، لم يطرأ عليها جديد رغم القرارات العديدة للأمم المتحدة سوى المزيد من التمكين لهذا الكيان
منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا بقيت قضية فلسطين كما هي دون حراك، لم يطرأ عليها جديد رغم القرارات العديدة للأمم المتحدة سوى المزيد من التمكين لهذا الكيان
  
ومنذ البداية وضع اليهود أنفسهم فوق كل قانون لتحقيق حلمهم الكبير بأن تكون لهم دولة على أرض فلسطين، وكانت هيئة الأمم المتحدة دائماً في خدمة هذا الكيان الصهيوني، ووفق مطالبه ورغباته وما يحقق مصالحه، أما مطالبها وقراراتها التي ليست في صالحه فتبقى حبراً على ورق.

 
والواقع أنه منذ نشأة الكيان الصهيوني حتى يومنا هذا، بقيت قضية فلسطين كما هي دون حراك، لم يطرأ عليها جديد رغم القرارات العديدة للأمم المتحدة، سوى المزيد من التمكين لهذا الكيان والمزيد من الاعتداءات على الشعب الفلسطيني المحتل وتشريده وحرمانه من كافة حقوقه. فما نُفذت قرارات وما عاد اللاجئون إلى ديارهم، وما انسحب اليهود من الأراضي التي احتلوها واستولوا عليها، بل في كل يوم يخرج لنا الصهاينة بشكل جديد من أشكال الإجرام والعنصرية تحت سمع وبصر العالم بأسره، بداية من مذبحة دير ياسين، مروراً بمذابح صبرا وشاتيلا وقانا ومخيم جنين ورفح.. وصولاً إلى المذابح المتكررة في مدينة غزة وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة، والتي قُتل وأصيب فيها الآلاف من المدنيين العُزّل من النساء والشيوخ والأطفال.

 
كل هذا وغيره يكشف لنا مدى تواطؤ الأمم المتحدة والدول الغربية الكبرى مع الكيان الصهيوني، وكيف أن هذه الهيئات العالمية ليست سوى أداة يسخّرها الصهاينة لتحقيق أهدافهم ومخططاتهم منذ بداية غرسه في أرض فلسطين والاعتراف به إلى يومنا هذا؛ وإلا فأين الأمم المتحدة من قراراتها التي طالما نادت وحثت الكيان الصهيوني بسرعة تنفيذها؟ وأين هي من المجازر البشعة التي ارتكبها الصهاينة وما زالوا يرتكبونها في حق الشعب الفلسطيني الأعزل؟ كل ما فعلته الأمم المتحدة أنها كافأت الكيان الصهيوني بإلغاء قرارها رقم (3379) الصادر في 10-11-1975م والذي كانت قد أدانت فيه الكيان الصهيوني باعتباره شكلاً من أشكال العنصرية.

وفي حين يرى البعض أن قوة النفوذ الصهيوني في أميركا وفي غيرها من الدول الغربية تعتمد على النفوذ المالي والسيطرة على مجمل وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية، بالإضافة إلى قوة الصوت اليهودي في الانتخابات ذات النفوذ والتأثير؛ يرى آخرون أن عامل القوة الأكبر لهذا النفوذ الصهيوني يعود إلى خلفية دينية ذات تأثير قوي، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، على أساس أن المسيحيين البروتستانت والجماعات الأصولية الإنجيلية يؤمنون بأن عودة اليهود إلى فلسطين وتكوين دولتهم هناك إنما هو تحقيق لنبوءة توراتية وردت في الفصلين 38 و39 من سفر حزقيال وأن هذا الوجود والتوسع الإسرائيلي ليس سوى مقدمة للمعركة الحاسمة "هرمغدون" وظهور المسيح ليحكم العالم من هناك ألفَ سنة.
  

من أهم أسباب نجاح النفوذ الصهيوني توافقه مع المصالح الغربية التي تعتبره أداة مرغوباً فيها وجزءًا من العقلية الغربية الاستعمارية وقاعدة متقدمة للغرب وسط أرضنا العربية والإسلامية
من أهم أسباب نجاح النفوذ الصهيوني توافقه مع المصالح الغربية التي تعتبره أداة مرغوباً فيها وجزءًا من العقلية الغربية الاستعمارية وقاعدة متقدمة للغرب وسط أرضنا العربية والإسلامية
 
وقد ظهرت واضحةً قوةُ تأثير هذا التيار على مجريات السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة، حين نجح في الدفع ببوش -الابن لتولي فترة رئاسة ثانية، ثم الدفع بترمب، اليميني المتعصب، لاستكمال مخططاته وأهدافه العنصرية ضد شعوبنا العربية والإسلامية، والتي تتوافق مع مصالح الكيان الصهيوني، وكان منها قراره الأخير باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ضارباً عرض الحائط قرارات الأمم المتحدة.

 
كما يرى الكثيرون أن من أهم أسباب نجاح النفوذ الصهيوني توافقه مع المصالح الغربية التي تعتبره أداة مرغوباً فيها وجزءًا من العقلية الغربية الاستعمارية وقاعدة متقدمة للغرب وسط أرضنا العربية والإسلامية وباقي مستعمراته القديمة. يقول د. عبد الوهاب المسيري إن السر الحقيقي للنجاح الصهيوني في الغرب لا يعود إلى سيطرة اليهود على الإعلام أو لباقة المتحدثين الصهاينة أو إلى مقدرتهم العالية على الإقناع والإتيان بالحجج والبراهين أو إلى ثراء اليهود وسيطرتهم على التجارة والصناعة، وإنما يعود إلى أن صهيون الجديدة جزء من التشكيل الاستعماري الغربي، وإلى أنه لا يمكن الحديث عن مصالح يهودية وصهيونية مقابل مصالح غربية، وأن الإعلام واللوبي الصهيونيين يمثلان أداة الغرب الرخيصة.

 

فإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة كنز إستراتيجي، وهذا ما يؤكده الإسرائيليون في واشنطن قبل الدخول في أية مفاوضات، وقد جاء في أحد إعلانات "نيويورك تايمز" أنه إذا ما تهددت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فإن وضع قوة لها شأنُها هناك يحتاج إلى أشهر، أما مع إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا بضعة أيام.. فسر نجاح اللوبي اليهودي والصهيوني هو أنه يدور في إطار المصالح الاستراتيجية الغربية وأنه يَعرض دولته الصهيونية باعتبارها أداة، أي أن مصدر نجاحه لا يعود لقوته الذاتية أو لعناصر كامنة فيه، وإنما بسبب اتفاق مصلحته مع مصلحة الغرب الإستراتيجية.(اليد الخفية – د. عبد الوهاب المسيري: ص 256 باختصار)

  

وفي كل الأحوال، يمكن القول إن ثمة توافقاً في الأهداف الاستعمارية والعقلية الإجرامية والعداء للعقيدة الإسلامية قد مهد السبيل للتحالف بين الكيان الصهيوني والدول الغربية، واعتبار أن إسرائيل هي الأداة القوية لتنفيذ مخططاتهم الهادفة إلى تدمير المجتمعات الإسلامية وإنهاكها والسيطرة عليها. وقد أحدث هذا التوافق تزاوجاً فريداً مهد السبيل للنفوذ الصهيوني ومكّنه من اختراق المجتمعات الغربية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً، بل وأحدث متغيرات جديدة لم تسلم منها العقائد الدينية؛ فلولا الغطاء الدولي والدعم الغربي والتأييد الأميركي وخيانات من يدور في فلكهم لما قامت إسرائيل ولا استمرت بعد قيامها.