ليس من السهل على أحد كيفما كان نوعه وطبيعته أن يعيش بعيدا عن الناس، أن يختار العزلة طواعية ويعيشها بروتينها ولونها الرمادي القاتم الذي يميل إلى الأسود كلما برد الجو واكفهرت السماء وصارت الشوارع والأزقة المحيطة خالية إلا من قطط شاردة تبحث عن ملجأ يقيها قر الشهور التي لا ترحم.
تعزى هذه الصعوبة في الأصل لكون الإنسان كائنا اجتماعيا بطبعه يخيفه الفراغ والصمت كثيرا وتنعشه الأجواء الاجتماعية التي يكثر فيها الحديث والحوارات والنقاشات الجادة وغير الجادة، يميل إلى التعرف على أشخاص والاستماع إليهم والاستفادة من تجاربهم وأفكارهم وتكوين علاقات وصداقات قد تدوم وقد لا تدوم. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه كما أجمع على ذلك الفلاسفة، يتفاعل مع محيطه فيكسب ويعطي ويتطور.
خير دليل هو الغربة التي تجعل الشخص يحن إلى أشياء بسيطة في وطنه لم يعرها اهتماما قبل ذلك، ويشتاق إلى كل الذين كانوا حوله هناك. إلا أن العزلة والرغبة في الانعتاق من الوسط المألوف شيئان ضروريان جدا من أجل وضع النقاط على الحروف وتهذيب النفس والتمعن والتأمل والنأي بالروح بعيدا جدا عن كل الأمور التي من شأنها أن تنقص من وعي الإنسان أو فطنته، ذلك كان حال الرسول صلى الله عليه عندما اعتزل قومه واختلى بنفسه في غار حراء يتدبر ويتأمل في الكون والملكوت لتسكن روحه ويكون قلبه مهيأ لنور النبوة. نور لم يكن ليهتدي إليه لو بقي في كنف قومه وخضع لهم، يُؤْمِن بِمَا يؤمنون، يرضخ لقوانينهم، يقلدهم بأعين مغمضة، ولا يستمع لصوت اليقين الذي كان يصدح في صدره أبدا.
لكن كيف يمكن للإنسان أن يحدد تلك النقطة الوسط التي يضمن فيها توازنه، فيعاشر الناس تارة ويعتزلهم تارة أخرى؟ وكيف يختار وقت عزلته وموعد غطسه مرة أخرى في مجتمع فيه الصالح وفيه الطالح، فيه المفيد وفيه المزعج؟

يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء، تسعه منها في اعتزال الناس وواحدة بالصمت". هنا تكمن العافية كلها تقريبا في اعتزال الناس والصمت، إلجام اللسان من أجل فتح البصيرة وإعمال العقل وإطلاق العنان للجوارح كلها كي تقوم بمهمتها في الكون: الإعمار والبناء ونشر العلم والسلام والعدل.
أضواء المدينة تحجب عنا رؤية النجوم ليلا لكن ظلام الصحراء يهدينا أجمل المناظر الطبيعية، فتظهر لنا السماء سوداء متلألئة وكأنها بساط مخملي مرصع بأغلى وأندر الدرر. نجوم عمرها ملايين السنين تسر الناظرين وتأسرهم وتبث في ثناياهم الكثير من الإعجاب والتساؤلات اللامتناهية. وكأن العزلة هنا هي تلك الصحراء المترامية الأطراف التي تحتضنك في كنفها دون أن تدري وتمسح عن بصرك كل تلك الأشياء التي كانت تحجب عنه الرؤية. أما عمن يجب أن نعتزل من الناس أو بالأحرى نتجنب بذكاء لكيلا نترك الأثر السيء في نفسيتهم ولا ننفرهم منا مستقبلا نظرا لأن الإنسان قابل للتغيير في كل لحظة، نخص بالذكر:
أولئك الذين إذا حدثتهم عن مشروع أو فكرة تؤمن بها، حاولوا أن يثنوك عن خطوتك ويقنعوك بكل الطرق أن فكرتك ستبوء بالفشل وأنك لن تنجح وستضيع وقتك وجهدك ومالك وكأنهم اشتغلوا على مائة مشروع مثله وفشلوا. في حين أنهم لم يفكروا قط في اتخاذ المبادرة والعمل على مشروع شخصي. يرجع هذا التصرف بالأساس إلى كونهم يخافون من نجاح الآخرين لأن هذا النجاح سيعري فشلهم ويثبت أنهم يفتقدون المبادرة والعزيمة. يعيشون في حفرة ولا يريدون لمن عاش معهم أن ينعتق منها ويحلق خارج السرب.
| قضاة آخر الزمان أولئك الذين يظنون أنهم الفرقة الناجية ولا يكفون عن إصدار الأحكام الجاهزة والمسبقة على الناس دون أن يفكروا لحظة في إصلاح أنفسهم، ويؤمنون بالإقصاء أشد الإيمان |
والذين يفكرون في إيذائك إذا ما حاولت إقناعهم بتغيير وضعيتهم إلى الأفضل بعدما اكتشفت الحقيقة وأردت لهم أن يكتشفوها بدورهم ليخرجوا من تلك المغارة التي أعمت بصيرتهم وكادت أن تغشي أبصارهم.
الذين لا يكفون عن استغلالك والتحكم فيك بأبشع الطرق، فلا يتذكرونك إلا عندما يحتاجون لشيء ثم ينسونك دهرا. يضيعون وقتك وطاقتك فيجهزون بأنانيتهم على كل الأشياء الجميلة التي فعلتها من أجلهم باسم الصداقة والتضحية. فإن ظهر لهم شخص أطول يدا منك هرعوا إليه ثم نسوك إلى الأبد.
أولئك الذين يظنون أنهم الفرقة الناجية لا يكفون عن إصدار الأحكام الجاهزة والمسبقة على الناس دون أن يفكروا لحظة في إصلاح أنفسهم، يؤمنون بالإقصاء أشد الإيمان. يناقشون الأشخاص فقط: فلان فعل كذا وعلان كذا، فلانة طلقها فلان لأنها فعلت كذا، وفلان غير صالح، وعلانة تنقصها التربية. تراهم دائما ينهشون في لحوم الناس وأعراضهم دون أن يضعوا أنفسهم مكانهم ولا يناقشون الأفكار والقضايا مطلقا.
ذلك الذي لا يسامح ولا يطوي صفحات الماضي ولا يستطيع أن يبدأ صفحة جديدة، ما ينفك يذكرك بشيء فعلته منذ عشر سنين، ويحاول الانتقام مرات كثيرة رغم أن خطأك لم يكن متعمدا أصلا. تحس بالغل والحقد يشتعلان في صدره كسعير لن يخمد. يغار من الكل ويحسد الكل ويحقد على الكل حتى الذين لم يشاركهم الحديث أبدا.

ذلك المكتئب الأزلي الذي لا يكل من نشر السلبية في الجو يشتكي من زوجته وأطفاله وعائلته ومدينته وقريته ومدرب الريال ومشغله ومن الجو والمواصلات والوطن والحكومة والظروف والمطر والشمس والنَّاس. يصور لك نفسه على أنه الضحية الوحيدة في العالم وأن الكل ظلمه. بعض الأشياء تستحق فعلا أن نشتكي منها لكن ليس بوتيرة هذا الأخ الذي يشتكي من كل شيء ولا يفعل شيئا لتغيير الأوضاع.
"من فهم الناس اختار العزلة"، مقولة تلخص بصورة ما حالة العزلة التي يلجأ لها الكثير لتوضيح الرؤية وإيجاد السلام الداخلي والابتعاد عن الضجيج الذي يجثم على العقل ويكبل إبداعه من أجل السير قدما وإطلاق العنان للتدبر والإبداع، لكن العزلة الدائمة لن تنفع المعتزل في شيء وإلا فكيف سيقوم بمهمته وهو الذي استخلفه الله في الأرض من أجل الإعمار والإصلاح؟ إنسان كتب عليه الخطأ وتصحيحه، أن يؤذي ويتعرض للأذى، أن يسامح ويُسامحَ، أن يسقط من شاهق ويقوم من تحت الصفر ليكمل مسيرته الطويلة بعسلها وزقومها.
لخص عمر بن الخطاب رضي الله عنه كل ذلك في حديث له يقول فيه: "اعتزل ما يؤذيك، وعليك بالخليل الصالح، وقلما تجده، وشاور في أمرك الذين يخافون الله". اعتزل كل ما يؤذيك، يكفيك ما ستجلبه لك الحياة من أشياء لم تكن تتوقعها وتسلح بالرفقة الصالحة فهي خير الزاد رغم قلتها، وشاور أهل العلم الذين يخشون الله في كل صغيرة وكبيرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

