شعار قسم مدونات

ذاكرة الجسد.. رواية "دوختني"

مدونات - كتاب

أحلام مستغانمي.. أديبة جزائرية كبيرة، سرقت بجمال كلماتها قلوب الشباب والشابات، وقف كثير من الأدباء إجلالاً لتدفق المشاعر الرهيب في تراكيبها، كتب في روايتها ذاكرة الجسد نزار قباني: "روايتها دوختني وأنا نادراً ما أدوخ أمام الروايات". تعشقها كثير من النساء بسبب محاولتها في أغلب كتاباتها التركيز على فكرة اكتفاء الأنثى بنفسها والابتعاد عن الوقوع في فخاخ الحب السامة للرجال؛ التي ستحوّل حياتها إلى جحيمٍ لا يُطاق، يحذّر الكثير من الشباب محبوباتهم من القراءة لهذه الكاتبة والغرق في بحر أفكارها ومن ثم تبنيها، بينما هناك تيارٌ آخر يصف كتاباتها بالسطحية والتجارية المبتذلة.

وكقارئة أحب الإحساس وأجده جوهر ما يُكتب، بعد الأفكار طبعاً، سأحاول تقديم رأي في أول رواية أقرأها لأحلام مستغانمي. ومن حسن حظي أنّي لم أقرأها في مراهقتي، ربما لم أكن وقتها لأشعر بجمالها ورقي أفكارها ورهافة أحاسيسها، لن أتكلم عن لغة الراوية أو تراكيبها فهي ساحرة كما قصّتها إضافة إلى أفكارها ومشاعرها. لكنّ أكثر ما سرق لبي وطار به هو تخليدها لكفاح شعبها الجزائري، تبنيها أفكار الثورة والدفاع عنها على لسان أبطالها، وتسليط الضوء على تجار الدماء وبائعي الأوطان الذين سرقوا عذاباتنا وأحزاننا الثمينة، كما سرقت الحبيبة قلب البطل وباعته بأبخس الأثمان.

صدرت رواية ذاكرة الجسد عام 1993م في بيروت وحازت على جائزة نجيب محفوظ للعام 1998م، تناولت الرواية قصة الشاب الجزائري خالد الذي كان بطلاً من أبطال ثورة 1945م في الجزائر على المغتصبين الفرنسيين. كان جندياً شجاعاً في كتائب السي الطاهر، فقدَ خالد يده في آخر معاركه على أرض الجزائر أو ربما معركته قبل الأخيرة؛ لأن معركته الأخيرة والقاتلة سوف تكون بعد عشرين عاماً.

  

أحلام مستغانمي  الجزيرة)
أحلام مستغانمي  الجزيرة)

  
تمّ إخراجه إلى تونس وعلاجه هناك، وفي غياهب أحزان شاب عشريني فقد يده وأمله في الحياة، ينقذه صوت طبيب لينتشله من ذاك اليأس المقيت ويقنعه بأنه على موعد مع مستقبل سيرسمه أفضل من البكاء، ليناوله ورقة وقلم رصاص كانت ولادته الثانية بعد مخاض أليم، ليحمل رسالة وداع إلى أسرة السي الطاهر في تونس، ليقوم بتسجيل ميلاد ابنة السي الطاهر التي ستسجل نهايته بعد عشرين عاماً من الآن. ويطبع على جبين أحلام الصغيرة قبلة حنونة مهاجراً إلى فرنسا، هارباً من ذاكرته، من وطنه، من قسنطينة المغتصبة التي توجعه ليلاً بنداءات الاستغاثة وهو العاجز إلا عن رسمها، تمتد السنون ببطلنا ويصبح من أبرز الشخصيات الفنية في عالم الرسم في باريس لكنّه كما كان مازال بارد الأطراف، حزين المهجة فهو الغريب في مكان لم يألفه بعد.

 

هل ستكون الثورة قصص أسطورية تروى للأحفاد في بلاد الشتات كرابط دم يربطهم بذاك الوطن؟ هل ستكون أمجاد ثورتنا روايات حزينة على شفاه العشاق المذبوحين على أرصفة الكرامة؟

هو الأسمر في وطن البياض، هو صاحب الشعر والبؤبؤ الأسود في مدينة الألوان، هو صاحب الدم الأحمر القاني المشتعل في مدينة البرد والشتاء الطويل في باريس، هو كذلك حتى التقى بأحلام الصغيرة بعد عشرين عاماً تدرس وتسكن عند عمّها السي عبد القادر، دماء العروبة أم قسنطينة أم الأنوثة أم الغجرية هي من تدفقت في شرايينه من أول لقاء، ربما هي الذاكرة فهي أصل البلاء. تشاهد أحلام معارضه وتحضر مؤتمراته، تزوره في بيته، تراسله هاتفياً وهو خارج الزمن، هي تسرق قلبه ومشاعره شيئاً فشيئاً وهو خارج الوقت ينعم بلعنة الذاكرة، ماذا ستهديني، سأرسمك وأرسم عيناك يا أحلام، كانت صدمته كبيرة عندما لم تعجبها اللوحة التي رسمها فيها، لقد رسم أحلام في مدينته قسنطينة أم أنه عشق قسنطينة في جسد أحلام.

 
لقد كانت جسور قسنطينة المطلّة على نهر الخلد والأساطير الجزائرية في عيني أحلام، ربما أدركت ذلك أو لم تدركه لكنّه لم يرق لها ولم تبدي أي شكر أو إعجاب للمبدع الكبير والعاشق الكبير عما رسمت يده الوحيدة، ربما عشق كل منهما في الآخر ذاكرته، هو بطل أبيها وصورته ورفيق كفاحه، وهي مدينة أحلامه وطفولته وخبز أمه، انقطع عن الحياة وكسر اللوحات ليصله اتصال من السي عبد القادر يقدم له الدعوة لحضور زفاف أحلام على أحد تجّار الوطنية بائعي الهوية، وأين الزفاف؟ في قسنطينة. 

يا للهول ما سيحدث! هل سيذبح مدينته وأنثاه في ذات الليلة؟ وهو الذي لم يزرها منذ عشرين عاماً، كيف سيمتلك الجرأة ليواجه كل تلك الذكريات، الأهل الميتون، الشوارع الغريبة، المناهج المغتصبة، الأصدقاء المتفرقون، الجسور الوحيدة، الأساطير المنسية، وأحلام العروس التي ستذبح أمامه والتي لم تتجرأ يده الوحيدة على لمسها ولو مرة واحدة.
   

undefined

 
لقد حضر العرس وواجه ذاكرته وقتلها وقتل قسنطينة في ذاك المكان مع كم هائل من الألم الذي لا يوصف، هنا بعد عشرين عاماً تقتل المدينة والحبيبة الفنان والمناضل والأمل إلى غير رجعة، يحزم أمتعته مودّعاً كل من قتلهم متوجّهاً إلى باريس حيث آخر ضحاياه فقد قرر دفن أحلام في رواية وقتل حبّها حيث سيكتبه على ورق وسينثره مع الريح.

لقد كانت ذاكرة الجسد، ذاكرة كفاح شعب، واغتصاب حق، تشرد أحلام، وضياع هوية، ذاكرة بلد المليون شهيد. أكثر منها ذاكرة تتحدث عن المحسوسات والحب المادي البحت، كانت تخليداً لمعاناة أبطال الكفاح الجزائري بلون مختلف وهو لون الحب الجميل والموجع. أو كما قال نزار قباني عنها: "هذه الرواية لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب، ولكنها تختصر تاريخخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري، والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي".

هل سيكون مصير ثوار سوريا في المستقبل القريب كان أم البعيد هو الحياة على هامش وطن ومنفى؟ هل سيقتاتون على ذاكرة بطولاتهم لتجاوز كل خيبات الواقع وصدمات الأحلام المسروقة من تجّار الدماء ومتسلقي الثورات؟ هل ستكون الثورة قصص أسطورية يرونها لأحفادهم في بلاد الشتات كرابط دم يربطهم بذاك الوطن؟ هل ستكون أمجاد ثورتنا روايات حزينة على شفاه العشاق المذبوحين على أرصفة الكرامة؟

هل ستكون أحزاننا الثمينة أغلى ما ورثناه عن الأحبة الغائبين الحاضرين آخر ما نملكه في خيم الذل؟ أم سنتمرد على كل قاتلينا كما فعل خالد، سنطلق رصاصة الثورة من جديد على من يحاول تخليصنا قنديل المبدأ الذي ينير عتمة تخبطنا حتى لو كانت الرصاصة الوحيدة في جعبتنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.