النظام المصري.. هل يمثل تهديدا لإسرائيل في قضية القدس؟

مدونات - السيسي ونتنياهو

في كل مرة يطرأ أمرا جلل في القضية الفلسطينية تتلفت العيون أولا إلى مصر بوصفها الدولة العربية الأكبر وصاحبة الانتصار الأهم في الصراع العربي الإسرائيلي وصاحبة التاريخ الأكثر امتدادا في المنطقة العربية، فضلا عن كونها البوابة الرئيسية لغزة والتي ربما تعد المنطقة الأبرز التي لا تخضع للوصاية الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، فضلا عن كون مصر أول دولة عربية ذات اتفاقية سلام واضحة ومباشرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1979.

 
ولا شك أن هذه الالتفاتة دائما ما كانت تحمل معاني ضمنية كثيرة منها ما يتعلق بمسؤولية مرتجاه أو طلبا للقيادة أو انتظارا لقياس رد الفعل رسميا أو شعبيا من أجل توجيه بوصلة الصراع، ولعل أبرز المواقف هو ما جرى في انتفاضة الأقصى الثانية داخل مصر من دعم شعبي على المستوى المعنوي والمادي وما أحدثه من أثر في محيطه العربي وفي رفع الوعي حول القضية التي يراد لها الاغتيال معنويا وفكريا ونفسيا قبل أن يكون ماديا.

 
إلا أن هذه النظرة اتجهت للتراجع كثير نحو مصر الرسمية أو مصر النظام منذ حرب غزة 2008/2009 والتي شهدت أسوأ أداء من الخارجية المصرية ممثلة في وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط الذي يرأس الجامعة العربية حاليا، حينما سمح لتسيبي لفيني آنذاك بإعلان الحرب ضمنيا من القاهرة فيما لعب إعلام نظام مبارك الخاص والرسمي أسوأ أداء ضد القضية الفلسطينية والفلسطينيين منذ عقود طويلة، إلا أن مصر الشعبية ظلت حاضرة ولها ردود فعل ملموسة رغما تزييف الوعي الكبير الذي كان يمارس آنذاك.
  

تمر السنين ويأتي الربيع العربي  ليكشف لنا كيف اعتبرت دولة الاحتلال مبارك
تمر السنين ويأتي الربيع العربي  ليكشف لنا كيف اعتبرت دولة الاحتلال مبارك "كنزا استراتيجيا لها"
  

ولم تكن مصر الرسمية ذات الأداء السيء مانعا كبير ضد التضامن الشعبي وكان ثمة مساحة مناورة ما وتحرك متروك في الهامش للنقابات والهيئات الاجتماعية والتجمعات الطلابية يسمح بالتظاهر وحتى انتقاد النظام نفسه، فيما كان النظام يبدي نوع من الممانعة لما تفعله دولة الاحتلال حتى وكان يساوي بين الضحية والجلاد، لكن كان ثمة إرثا من دولة يوليو باقيا داخل أركان النظام يضع حدا فاصلا بين التماهي التام مع الاحتلال وبين تقديم التنازلات بحسابات دقيقة ويبقى مساحة شعبية يناور بها سياسيا.

 
لكن تمر السنين ويأتي الربيع العربي الذي كشف لنا كيف اعتبرت دولة الاحتلال مبارك "كنزا استراتيجيا لها"، على الرغم من تلك المساحة التي كانت متروكة للمناورة، وتنفس الجميع الصعداء بعد ذلك ورأينا أحداث وفاعليات كثيرة عقب الثورة تبين كيف أن النظر للصراع العربي الإسرائيلي يحمل أبعاد ذات عمق حقيقي عند المواطنين كانت مصر الرسمية تخفيها.

 
ورغم أنه لا يوجد نظام مصري كان له سلوك عدواني يتجه لإلغاء اتفاقية السلام أو يتحرك بشكل يحمل قوة عسكرية أو مادية اتجاه دولة الاحتلال، بما في ذلك نظام الإخوان الذي أتيحت له الفرصة للعب دور رسمي لمدة عام واحد، إلا توافر مناخ الحرية وتوسع هامش الحركة في المجال العام طوال عامين ما بعد الثورة، جعل مصر الرسمية والشعبية تكون أكثر اقترابا من القضية الفلسطينية، وهو ما كان واضحا بشكل كبير في حرب غزة (نوفمبر/تشرين الثاني) 2012 وكانت مصر حاضنة حقيقية للقضية الفلسطينية كقضية عامة بالتوازي مع يجري تحديدا في قطاع غزة.

 

في حرب غزة 2014، كان هناك تنسيق أمني غير مسبوق فتح المجال الجوي المصري للطيران الإسرائيلي في سيناء بشكل غير مسبوق، موقف وصل حد الإشادة به من نتنياهو
في حرب غزة 2014، كان هناك تنسيق أمني غير مسبوق فتح المجال الجوي المصري للطيران الإسرائيلي في سيناء بشكل غير مسبوق، موقف وصل حد الإشادة به من نتنياهو
  

لكن يأتي (يوليو/تموز) 2013 ليكشف لنا أن الانقلاب الذي جرى في مصر لم يكن فقط على محمد مرسي ولا على الانتخابات الديمقراطية، بل على حتى إرث دولة يوليو في هوامش مناورتها السياسية في القضية الفلسطينية بل ربما على كل ما اعتدناه من أنظمة سابقة في التعامل مع إسرائيل بما في ذلك مبارك الذي كانوا يعتبرونه كنزا استراتيجيا، فعلى مر الأيام يفاجئ عبد الفتاح السيسي وأركان نظامه من حولهم بقرارات وتصريحات لم يكن يتخيل مصري أن تصدر من أي شخصا يترأس أكبر دولة في المنطقة وأكثرها ثقلا وتأثيرا في القضية الفلسطينية، أو هكذا كانت.
 
 فمن تنسيق أمني غير مسبوق فتح المجال الجوي المصري للطيران الإسرائيلي في سيناء بشكل غير مسبوق، وموقف وصل حد الإشادة به من نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في حرب غزة 2014، مرورا بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين لصالح مشروع إسرائيل عبر السعودية من أجل تمرير صفقة القرن، وليس انتهاء بتخصيص كلمة مصر في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة للحديث عن أمن المواطن الإسرائيلي وإسرائيل بدلا من الحديث عن المواطن المصري الذي يُقهر يوميا ويدمر وعيه وتعدل مناهج أبنائه بما يؤدي إلى نسيان القضية الفلسطينية وكيف أنها جزء من صراع عربي قديم وممتد ولا تخص الفلسطينيين وحدهم.

 
هذا فضلا عن زيارة وزير الخارجية المصري لمنزل نتنياهو في القدس المحتلة في (يونيو/حزيران) 2016 لمشاهدة نهائي أمم أوروبا لكرة القدم بما تحمله خطوة كتلك من دلالات ومعاني تتعلق بالزمن والمكان والأشخاص، وانتهاء بقمع المظاهرات الخاصة بالقدس واعتقال صحفيين من أمام نقابة الصحفيين في تلك المظاهرات.
 

undefined
 
لذا فإن الموقف المصري الأخير من قرار ترمب في 6 (ديسمبر/كانون الأول) الجاري باعتماد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بدء من بيان الخارجية الذي "استنكر" قرار ترمب، ثم مشروع القرار الذي تقدمت به في مجلس الأمن والذي يطالب بسحب أي قرارات تخص وضع القدس واعتبار أن أي قرارات تخصها يجب ألا يكون لها أثر ويجب سحبها، ثم بعد ذلك بيان الخارجية الذي يعرب عن أسف مصر للفيتو الأميركي على مشروع القرار، والتصويت لصالح القرار باجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يعد ذلك الموقف عن موقف "مبدئي" من عبد الفتاح السيسي وأركان نظامه من قضية القدس ومن القضية الفلسطينية.
 

فبجانب ما نعرفه من نظام عبد الفتاح السيسي عن علاقته بالنظام الإسرائيلي، وأُشير سريعا إليه أعلاه، فإن مسألة الشجب والإدانة وتلك الأدوات البلاغية هي أمور لا تقدم ولا تؤخر كثير ولا ترتقي لرد الفعل الجدي مثل سحب السفراء أو تجميد العلاقات أو تخفيضها أو أي تحرك عملي آخر. هذا فضلا أنه بالنظر للموقف المصري في مجلس الأمن، فإنه موقف إجباري بعد ردة الفعل الشعبية من الشعوب ومحاولة درء شبهة الارتماء في الأحضان الإسرائيلية بهدف استجلاب دعم دولي لنظام عبد الفتاح السيسي، فلم يكن لمصر خيار آخر غير قبول الطلب الفلسطيني وإظهار حالة الغضب، وإلا كان الأمر سيعرض النظام لاتهامات بالمساهمة والتواطؤ في تهديد أمور دينية وعقدية مثل القدس والأقصى ويعرضه لعزلة وعار صعب تجاوزه، هذا بعكس ما فعلته مصر منذ عام حينما سحبت مشروع قرار لإدانة الاستيطان الإسرائيلي بعد طلب من إسرائيل وترمب قبل تنصيبه.

 

ورغم ذلك لم يقرر الجانب المصري ذكر أميركا بالاسم أو قرار ترمب بالتحديد في مشروع قراره على الرغم من أن ذلك كان سيساهم في احتمالية تحييد الصوت الأميركي بموجب المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة، بحسب خبراء وقانونيون كُثر، وهو الأمر أيضا ينحسب على قرارها في الجلسة العامة دون أي إبداء حالة من الغضب الإسرائيلي أو الأميركي لأن كلا الطرفين يعرفان أن عبد الفتاح السيسي ونظامه من الحلفاء ولا يمثلون تهديدا لهم.