زيارة إلى طرة

مدونات - سجن مصر

المكان: شارع العميد الشهيد أسامة عوّاد، طرة، الأوتوستراد، المعادي، القاهرة، مصر
الزمان: 23 نوفمبر 2017
لا أدري الرقم المحدّد لهذه الزيارة، لكنّ رقمها بالتأكيد يقترب من المائة! فقد مشيت الخطى إلى طرة وعائدةً منها على مدار العامين الماضيين.

فور وصولي إلى البوابة الخارجية، وجدت تعديلات وتجديدات تطال مدخل السجن. يُنشئون جراجًا كبيرًا لا أدري لمَ بالتأكيد، بل ويمهدّون طرقًا بالداخل. هناك اهتمام كبير بتطوير هذا المكان. وصلت، دخلت بسرعة دون أن أقف طويلاً في الطابور، فقد جئت متأخرة. كانت أمامي سيدة عجوز تحمل الكثير من الحقائب الرثة، بها الكثير من الزاد والملابس. بعد أن دخلت هي، دخلتُ أنا، ثمّ أمر الضابط بإغلاق الباب. كنت آخر من يُسمَح لها بالدخول، وضعت حقيبة الزيارة تحت جهاز الفحص، ثمّ اجتزت فحص تفتيش النّساء في الغرفة المغلقة، وتوجهت نحو غرفة الانتظار.

 
لاحظت بسهولة إزالة يافطة قديمة، كانت منصوبة أمام غرفة الانتظار، كانت خلفيتها باللون الأخضر، وقد كتب عليها باللون الأبيض: "أخي المواطن: إن السجن إصلاح وتهذيب، نحن قطاع إنتاج وتأهيل زراعي وحيواني وداجني.." وبقية العبارة لا أذكرها، ولم يعد هناك فرصة لمعرفتها، فقد أزيلت هذه اليافطة التي كانت تمثّل التوجه القديم للسجن الذي كان يدّعي أنّ السجن مؤسسة للإصلاح. أتصور أنّ السجن لم يعد مكانًا للإصلاح! انتهى هذا العهد! أصبح هذا السجن الآن للتنكيل وفقط. وإزالة هذه اليافطة وإن كانت عملاً غير مقصود، فقد أشار بحقّ إلى تحوّل هذا المكان من سجون "الإصلاح والتهذيب" إلى سجون "التنكيل".

 
أُبغِضُ السجن، أبغضه جدًّا! هل يُعقَل أن تُبنى هذه المباني كلّها لاستلاب حيوات النّاس؟ وإن كانوا قد ارتكبوا الأخطاء؟ من منّا بلا خطيئة؟ تبدو لي هذه العقوبة غير مستقيمة مع طبيعة الحياة، أو مع حقيقة الحياة! السجون في الحقيقة تأسيس ومدّ لأذرع الدولة لسلب حياة النّاس دون قتلهم! إنهم يغيّبون الحياة، ولا ينهونها في الوقت ذاته! إنّ السجن للسجين منزلة بين المنزلتين، لا هو بالحياة، ولا هو بالممات. والسجن لزوجة السجين منزلة بين المنزلتين كذلك! فزوجك الآن ليس بالموجود الذي تستطيعين العيش معه والاعتماد عليه، وليس بالمتوّفى فتستخرجين له شهادة وفاة، وتستسلمي لقضاء الله في أعمار عباده. إنّك لست مطلّقة، ولستِ أرملة ولست متزوجة، إنّك بين بين، أو لنقل ليس لك اسمٌ يصف حالتك بعد.

  

إنّهم في الحقيقة يعاقبونك أنتِ! يقول لنا علم الاجتماع أنّ الزواج مؤسسة من مؤسسات الضبط الاجتماعي، ويقول أنّ أغلب مرتكبي الجنايات هم من الشباب الذكور غير المتزوجين. الحكومة تنظر للشباب الذي يمارس النّشاط السياسي كمن يرتكب الجنايات في حقّها. يبدو أنّكِ إن لم تمارسي هذا الضبط الاجتماعي من خلال الزواج، وإن لم تجعلي الزواج مؤسسة للضبط الاجتماعي، فسيعاقبونكِ أنتِ، سيحولونك إلى زوجة بلا زواج! إلى ما بين بين! لست بالمتزوجة ولست بغير المتزوجة!

 
أفقت من تفكيري على رؤية حصانين يؤمّنان المكان، يقودهما ضابطان. دخلت غرفة الانتظار مرة أخرى حين أنزَلَنا الضابط من الطفطف. الضابط ينادي أسماء سجناء العقرب. أنا لست في هذا الكشف. أمضيت الوقت في رشف الشاي لقتل الانتظار. النسوة في غرفة الانتظار كلّهنّ محجّبات، كلّهن من ذوات التدين، أو زوجات لمحسوبين على التيار الإسلامي. الثياب المتواضعة، وفي أحيانٍ، الرّثّة والأقدام التي تملؤها التشقّقات هو حال أغلبهنّ. فهنّ إمّا رقيقات الحال، أو أطاح السجن بمعيشتهن. هنّ كثيرات.. هذا ليس هو الحال في كلّ زيارة. العدد اليوم كبيرٌ جدًّا، ربّما لأنّ اليوم الخميس.

 
بينما كنت أنتظر الطفطف، كانت إحدى هؤلاء النسوة بجانبي. امرأة ممتلئة تلبس جلبابًا أسود، وطرحة طويلة ونقاب. لديها أطفال لا يتجاوزون الخامسة والسادسة من العمر، أظنّها في عمري أو أصغر منّي بسنوات. تبادلت معها الحديث، إنّها امرأة كبّرها السجن سنوات. سألتها إلى أين من تأتين؟ قالت لزوجي. وأردفت: زوجي هنا في سجن الاستقبال منذ ثلاث سنوات، مسجون احتياط في قضية "خلايا نوعية" فهمتُ وسكتّ. كلّ شيء في أحوال السيدة يوحي بالرّثاثة: الثياب، الحقائب، الإعاشة. النسوة كثيرات، كلّهن تقريبًا يشابهن هذه السيدة. سيدة أخرى تبدو أفضلَ حالاً، قالت لي: زوجها في العقرب من ثلاث سنوات كذلك، مسجون احتياط واسمه "رمضان صالح" التقيتها مرة قبل ذلك في غرفة الأمانات، لديها ابنة في بدايات عمرة المرهقة.
 

 
النسوة والأطفال والأشياء يتزاحموا في غرفة الانتظار، لا شيء مثل الزحام في مصر، الزحام سيدّ المكان.

جاء الضابط الذي ينادي "مزرعة" أسرعتُ نحو الطفطف، جارّة معي حقيبة الأشياء. ركبت الطفطف الذي مشى في الطريق الجديد الممهّد. وصلتُ إلى مزرعة طرة، سلّمت بطاقتي وجلست أنتظر، ليس معي ساعة لاحتساب الوقت، ولكنّي أشعر به. مرّ ما لا يقلّ عن نصف ساعة، وأنا أنتظر حتّى نادى المخبر لأدخل. التفتيش خفيف، فهم يثقون بي الآن بعد أن زرتهم لما لا يقل عن ثمانين زيارة حتّى الآن.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان