الموت ذلك الشبح الأسود المروع الذي تجفل في حضرته الأبصار وترتعد لذكره الأوصال، الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات الذي اتفق البشر على كراهيته كما لم يتفقوا على شيء آخر وقطعوا على أنفسهم عهدًا غير معلن بالفرار منه ما وسعهم ذلك، هو أكثر الحقائق ظهورًا طالما وقع في حياة الغرباء وأقلها تصديقًا حين يمس أمرها قريبًا وهو الحقيقة التي تقارب الاستحالة إذا مسنا الأمر، الموت حق ولكنه بعيد حتى الذين سيزورهم الموت بعض لحظات يشعرون في قرارة أنفسهم أن موتهم بعيد.
في الحقيقة نحن من نصبنا الموت ذلك المنصب العدائي ماذا لو كنا نحن المسيئين إلى الموت؟ ماذا لو كنا ظالميه ومبخسيه حقه؟ ألا يمكن أن يكون الموت قصد الربت على أكتافنا وفتح ذراعيه لنا أنه هنا موجود بالقرب دائما وجود أزلي أبدي لا شيء يستدعيه ولا شيء يدفعه؟ وانتظرنا الموت أن نفهم أن حتميته هو تذكرة حياتنا الحقيقية.
حمل رسالة مفادها لابد أن تعيش قبل أن تموت، أن تدب الحياة في أوصالك وأن يسري ماؤها في جسدك لم يرد الموت رعبك فهو لن يفيده رعبك ولا ابتهاجك على أي حال هو أراد أن يحمل لك مشعلًا ترى على ضوئه حقيقة عالمك فلا تزهد عالمك بل تسعى في إعماره، خوفك من الموت يدفعك إلى الامتنان إلى الحياة.
| كل ما ارتكبه البشر من حماقات كان طمعًا في الحياة في تحقيق المجد وزهو الانتصارات وتضارب المصالح والميول والعروق والأهواء أراد كل فريق إلقاء خصومه نحو حتفهم |
لم يبح لنا الموت أبدا بنواياه الطيبة ولا يمكن أن يفعل بل جل ما فعله أن يختبئ منا ويقهقه من حماقتنا ولسان حاله إن كنت حرًا شجاعًا سأختطفك وكذا الحال إن كنت جبان إن أحسنت اختيار حياتك فأنا موئلك وإن أسأت فليس لك من دوني مصير إن كنت على صهوة حصانك سألقاك فارسًا وإن تخلفت ستلقاني في فراشك، ماذا لو كان الموت يهبنا فرصة عادلة يتساوى فيها الجميع تلك الفرصة التي طالما استجدينها من الحياة فلم تجب طلبنا؟
ألم تكن صراعات البشرية كلها صراعات على البقاء، كل ما ارتكبه البشر من حماقات كان طمعًا في الحياة في تحقيق المجد وزهو الانتصارات وتضارب المصالح والميول والعروق والأهواء أراد كل فريق إلقاء خصومه نحو حتفهم أما الموت فبقي في ركنه الخفي المظلم يتلقى الطعن في عدالته باسمًا، ربما جاءت كراهية الموت من تحديه الرغبة الغريزية الأولى في الخلود وتذكير الإنسان بخطيئته الأولى التي لولاها لكان خالدًا في نعيمه الأبدي.
حين اختطف الموت الحسين بن علي _ واعتقد أن الموت كان خجلًا حينها _ أمات الحسين لتحيا قضيته، كان لزامًا أن يكون الشهيد هو الحسين لا سواه هو ابن علي وفاطمة المترعرع في كنف النبي صلى الله عليه وسلم هو الحسين الذي قال عنه جده حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينًا كان حتميًا أن يكون الثائر هو النبيل الذي لا يطعن في نبله ولا يمس شرف نسبه ولا يعاب في تربيته على صحيح الدين، كسر الحسين حاجز الرغبة في الحياة العادية ووجه تحديه إلى الحياة هذه المرة راميا نفسه في كنف موت جليل، مات الحسين لتدب الحياة أكثر في جسد الدين الثائر كان الحسين رسالة فحواها بأن مجمر هذا الدين ما خمدا، اختار الموت وحاز الخلود سواء أكان خلودًا أخروي أم خلود ذكراه كصرخة في وجه الظلم لو صرخها غيره ما أخذت ذات الصدى.
_ماذا لو لم يمت الحسين؟
_لتولى أمرنا يزيدًا تلو يزيد ولذهب موتنا يوما بعد يوم على طريق الحرية هباءً وعد كفرًا وتجديفًا.
_وهل رحل عنا يزيد؟
_على الأقل لم يحكم فينا هني البال.
_ وما الذي عاد على الحسين؟
_كان ميتا على أي حال، على الأقل أتيح له أن يختار جلال موته؟
_هل كان لزامًا علينا أن نخلف الحسين في موته؟
_وأين راح خلف يزيد أيضًا؟ هل فروا من الموت؟
_وهل يفر منه أحد؟
_لا ولكن هناك من يختار ميتته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

