يقف في البهو، يرقبني بعينين واسعتين تبعثان الألفة، ورأس مستدير ذي ملمح طفولي بريء، وبشرة بيضاء تشي بتحيز سُلالي لدى صانعيه. أقرأني سلاماً فبادلته إياه بلغات عدة، مع ابتسامة عريضة أفصحت عن دهشتي. كانت تحيته المنطوقة هي لحظتي المخصوصة في ملامسة المستقبل، بما تستدعيه من الشغف والانبهار بآلة تحاكينا نحن البشر، وتباشر تغيير حياتنا يوماً بعد يوم، وتمنحنا فرصة تشغيل عقولنا أيضاً.
إنه "إنسان آلي" كما يطيب لبعضنا تسميته، وهو ملائم لاختبار مقولاتنا العقائدية عن "الإنسان" الذي صنعه. فبعض البشر اطمأنت قلوبهم بالإيمان بصنعة الروبوت وسلّموا بها تسليماً، لكنهم قابعون في إنكار إيجاد من أوجد الروبوت، وقد يجحدون خلق المواد التي منها اصطُنِعت هذه الآلة العجيبة.
ولما عدّ البشر الروبوت ذروةَ ابتكارهم؛ فقد صنعوه على هيئتهم التي خُلِقوا عليها، فاتخذوا له رأساً وبدناً مع أطراف تتحرك برسوخ، وجعلوا في رأسه عينيْن واسعتين وأذنيْن كبيرتين في محاكاة صريحة للبشر في صنعتهم، وما زال الإنسان عاجزاً حتى لحظته عن أن يجعل لهذا "الكائن" لساناً وشفتيْن بأدوار وظيفية مخصوصة أو أن يمنحه عقلاً مستقلاً بذاته وفؤاداً نابضاً بالحياة، وهي مراحل تطورية يبقى بلوغها عند بعض المتحمسين للصنعة مسألة وقت لا أكثر.
لكنّ البشر إذ يُجمِعون على إيجاد الروبوت وينسبون صنعته إلى مؤسسات بارعة تشتغل على ابتكاره؛ فإنهم يختلفون فيما بينهم اختلافاً شديداً في شأن صنعة النسخة الأصلية التي يحاكيها الروبوت ذاته، أي الإنسان عيْنه. فما من خلاف على النسخة المقلدة، وإنما تدور رحى الجدل حول الأصل الفريد تحديداً.

لم يجرؤ الإنسان، بعد، على أن يستعمل مع الروبوت مقولات عقائدية صارمة تنفي الخلق والإيجاد من أساسه، لأنّ الإنسان الذي امتاز بفرادة العقل ونفخة الروح، لا يحتمل نفي ذاته، بل يجترئ على خالقه ويتعالى على بارئه، ومبعث ذلك عند بعض البشر اضطراب مفاهيمي أو جحود متأصل أو طبائع نَزِقة، وخلفها قد تتوارى نزعة تألّه كامنة لا يطيب لها الاعتراف بما يفوق الإنسان أو يتجاوزه.
وما زالت صنعة الروبوت متخلفة، رغم انبهارنا بما أنجزناه فيها، لأنّ هذا "الكائن" بقي حتى يومنا هذا عاجزاً عن الاعتداد بعقله واستعماله لنفي ما لم يبصره بأم عينيه بعد. فهو لم يترافع بعد باسم "العلم" لإنكار ما يتجاوز نطاقاته الحسية أو ما يعجز عقله ذاته عن استيعابه. ولا ريب في أنّ ارتقاء الصنعة وسعيها إلى المناجزة العُلوية يشيران ضمناً إلى جودة ابتكارها وإبداع صانعها، حتى جاز الاستنتاج بأنّ العقل المخلوق وحده هو ما يستطيع نسج حجج موجّهة لنفي خالقه.
من القسط الاعتراف بأنّ الروبوت لن يبلغ مبلغه من التطوّر إلا بأن يرتقي درجة نفي وجود من صَنَعَه، وأن يطمس العلامة التجارية للشركة التي ابتكرته، وأن يترفّع على عبارة "صنع في اليابان" المحفورة على جذعه، وأن ينتصب بيننا مترافعاً بشجاعة أخاذة لإقناعنا بأننا نعيش وهماً كبيراً اسمه الابتكار والصناعة، فهو لم يُصنَع أساساً بل وُجِد بذاته وفق تطورات حتمية مخصوصة، حسب المنطق الرائج.
| ستترافع بعض الروبوتات بأنّ روح البشر الذين صنعوها هي وَهم محض؛ تم اختلاقه في أذهان مخصوصة لإسباغ الهالة على كتلة اللحم والعظم المتحركة؛ التي هي نحن |
سيغدو الروبوت متطوراً بحق إن استعمل عقله المصنوع في إنكار الصنعة ذاتها، وقد ينبرى وقتها لإقناعنا بأنّ اليابان نفسها التي برعت في تطويره غير موجودة من أساسها؛ بل اختلقتها أذهان واهِمة افترضت وجود بلاد الشمس المشرقة وآمنت بذلك لإشباع حاجات مخصوصة. ولمَ لا تترافع بعض الروبوتات المطورة، إن ناهزت البشر، بالقول إنّ الروبوت هو الذي أوجد اليابان في وعيه، وليست اليابان هي التي أوجدت الروبوت في حقيقته؟ أليس هذا المنطق تحديداً ما يحظى بالرواج لدى بعض البشر؟
إذ يرانا الروبوت كتلة منتصبة لا يفقه روحها؛ ألا يحق له أن يستعمل "عقله" بمنطق بعض البشر، الذين صنعوه أساساً، بأن يُحاجِج بوجودنا الإنساني من أصله فيرانا أسوة بكائنات متحركة من حولنا، ترعى أو تتسلق أو تزحف؟ وما الذي يُرغِم الروبوت على أن يعترف بروحنا المتألقة أو بانفعالنا الوجداني؟ أليس من حقه أن يجحد هذا كله إن استولى عليه منطق حسي مجرد يحاول بعضنا إسقاطه على أكوان وعوالم وأبعاد وحقائق لم نفقهها بعد؟
ستترافع بعض الروبوتات بأنّ روح البشر الذين صنعوها هي وَهم محض؛ تم اختلاقه في أذهان مخصوصة لإسباغ الهالة على كتلة اللحم والعظم المتحركة؛ التي هي نحن. إنها نتيجة مفهومة لمحاولة البرهنة على الغيبيات بمنطق يرفضها أو يُخضِعها لما تُدرَك به الحسيّات، أو منطق ينغلق دون الغيبيات بدعوى رفض فكرة التجاوز. كم يبدو مذهلاً أنّ الإنسان ذاته الذي يعجز حتى عن إدراك كنه روحه التي يحتويها أو تحتويه؛ هو ذاته الذي يحاجج في بارئها.
يمنحنا الروبوت في نشوئه وارتقائه، نحن البشر، فرصة النظر في مرآة حالنا والتأمل في صنعتنا. ومن بديع نحت التماثيل وابتكار الروبوتات أنها تُحاكي المخلوقات في سماتها ودقائقها، ثم يُعترَف بالصنعة البارعة مع النسخة المقلّدة وتُنفَى عن الأصل المُلهِم، وهذا عبر حيلة "الاحتكام إلى العقل" التي يرجو بعضهم بواسطتها أن يُفضي "العقل" إلى قناعة بمقولات تنفي صنعة العقل ذاته وإيجاده.
وما كان الإلحاد ضمن المخلوقات إلا من بعض البشر، وهذا من أمارات تحلِّيهم بامتياز العقل دون سائر المخلوقات، فيكون الإلحاد تعبيراً عن تطلع المخلوق في ارتقائه إلى نفي وجود خالقه، وهذا التطلع هو بذاته من تعبيرات الامتياز الذي حازته خلقة البشر عما سواها، بما يبرهن على الصنعة البديعة، ويمنح إشارة ضمنية من شأنها تعزيز الإيمان. فارتقاء الصنعة وسعيها إلى المناجزة العُلوية يشيران ضمناً إلى إبداع صانعها، ولو كان الصانع من البشر لمنحها علامة مرئية مخصوصة تشير إليه كما تفعل الشركات الكبرى مع الروبوتات التي تبتكرها. وفي هذا الابتكار ذاته ما ينطوي على اعتراف ضمني بابتكار الإنسان الذي هو النموذج الذي تستلهمه التصميمات والوظائف الروبوتية.

لن تتوقف عجلة التاريخ عند لحظتنا الراهنة. فالروبوتات ستتخلل حياتنا اليومية عما قريب، وما إن يشجو "العصفور الروبوت" بتغريده ذات صباح حتى يُبهرنا حديث العلماء عن برمجيات مركوزة فيه تمنحه هذه المهارة العجيبة. وماذا عن العصافير "الأصلية" التي تزقزق من حولنا وتُحيل غابات الأرض وحدائق البشر إلى جوقة من العزف البديع؟ من أين لها جميعاً على أصنافها المذهلة بكل "برمجياتها" التي تمنحها هذه المهارة؟
ينكشف العجز المنطقي مع مادة تحاكي الإنسان، أي الروبوت، لكنه يفتضح أيضاً مع إنسان يحاكي المادة، مثل التماثيل الناطقة التي تنتصب في بعض الميادين السياحية عبر العالم. ليست هذه في حقيقتها سوى بشر يصبغون وجوههم وأبدانهم وملابساهم بكاملها بألوان ذهبية أو فضية أو برونزية لامعة، ليُحاكوا التماثيل المعدنية في انتصابها. يقف هؤلاء البؤساء بلا حراك ساعاتٍ مديدة في هيئة متكلسة كالتماثيل المنحوتة، وقد لا يلحظ العابرون رمْش أجفانهم خلسة. وهم ينتصبون على هذه الهيئة نهاراً بحياله بلا كلل ولا ملل، رجاء أن يدسّ المارة أيديهم في جيوبهم ليُلقوا إليهم بالفتات تقديراً لمهارتهم في السكون المديد.
بوسع تمثال بشري واحد أن يعين الفائلين بالإلحاد على تشغيل عقولهم. فمن يزعم أنه "ملحد" سيرى تمثالاً بديعاً دقيق الصنعة، فيسأل عن صانعه ومبدعه لأنه يؤمن في أعماقه بمنطق الخلق والإيجاد، فإن تحرّك التمثال ثم نطق .. أمسك العابر عليه لسانه، وكبت سؤاله المنطقي، وعدّ صنعته محض صدفة وُجدت بذاتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

