الإسلام السعودي.. سلفية على أنغام ياني

Blogs- yanni

على أنغام "ياني" تدخل المملكة العربية السعودية بيتَ العلمانية الفَسيح، مسحورةً بجمال سان فرانسيسكو، زاهدةً في حجارة مكة الملتهبة من حر الصحراء، مستغربةً سِرَّ اختيار السماء لمكان شبه ميت ليكون منبع الحياة للبشرية، وها هي الآن تدعو أبرهة الغربي ليعوض الناس بمكة وبيتها "الأسود"، واشنطن وقُلَّيْسَهَا الأبيض.

 

إنها خلاصة نموذج "الإسلام الأعرابي" الذي اختارته الأسرة الحاكمة في السعودية لتطويع العرب بالدين، وهو نموذج يمكن تفهم سبب اختياره من قبل مراكز الأفكار، سواء على المستوى النفسي أو التاريخي، إذ هو نموذج سهل ميسور، يمكن لأي إنسان مهما كانت معارفه ضحلة أن يتبناه، فهو يقوم على فهم سطحي تسطيحي، وتطبيق جزئي تجزيئي، وطيٍّ لقرون من التعقل والتفاعل مع الدين، والدعوة إلى التحرر من التقليد مع عبادة الأحبار والرهبان، ومحاربة العقل ومشتقاته، وإذا نظرنا إلى المستوى المعرفي للمنطقة في بداية القرن الماضي، يمكن أن نفهم بأن تيارا أريد له أن يخضع الأغلبية لإرادة رجل السياسة يجب أن يكون في متناول ذلك الجيل، ولو كان مستواه عاليا ومعقدا، لكان مآله كما آل فكرة الاعتزال في القرون الغابرة.

  

وكان هذا النموذج بما يوفره من تغييب عن عالم الشهادة، وإغراق في عالم الغيب، وإشباع شكلي لمظاهر التدين، مع طاعة غير مشروطة لأنظمة الحكم القائمة، يمثل أحسن خلطة ضامنة لولاء مطلق لأي نظام، وهو ما يفسر انتشاره في كل أرجاء العالم الإسلامي، وتأييده الخفي من كل الأنظمة التي وصلته شِفرات هذا النموذج المتطور من التخدير بالدين.

 
وبناء على هذا الفهم، كنت أشعر بنوع من التذمر إزاء ما تقوم به السلطات السعودية من أشياء لم تثبت حتى عن السلف الأولين، ولا هي مما يجوز شرعا، أو على الأقل ليست محل إجماع، من ذلك إجبار الباعة على غلق محلاتهم أوقات الصلاة، رغم أن الشارع لم يفرض صلاة الجماعة، ووسع في الأوقات، ولم يفعل هذا النبي، ولا صحبه الكرام، كما أنهم منعوا كل أنواع اللهو حتى المباح منه، وهو أمر فيه ما فيه، كما أنهم اشترطوا المحرم في كل حركة وسكنة للمرأة، في حين لا يشترط الشرع المحرم إلا في السفر، بل حتى السفر نفسه، لا يشترط فيه المحرم إن أمنت فيه المرأة على نفسها ومالها، كما أنهم أوجبوا على غير المسلمين والمسلمات الالتزام بأحكام الشريعة كلبس الحجاب وما إلى ذلك، ولكن أغرب ما كان يلفت انتباهنا، هو منع المرأة من قيادة السيارة وحدها، خشية عليها، والحل العبقري المقترح، أن تركب مع سائق أجنبي، فتخلو به، فيجوز لها ركوب البعير، ولا يجوز لها ركوب السيارة.

  

ما الذي تريده أميركا من دول الخليج من خلال الإفتاء بوجوب علمنة المنطقة؟ هل انتهت مرحلة شيطنة العرب والإسلام، من أجل جمع الداخل الأميركي وتوحيده ضد هذا العدو العنيف الذي يحمل اسم السلام!
ما الذي تريده أميركا من دول الخليج من خلال الإفتاء بوجوب علمنة المنطقة؟ هل انتهت مرحلة شيطنة العرب والإسلام، من أجل جمع الداخل الأميركي وتوحيده ضد هذا العدو العنيف الذي يحمل اسم السلام!
 

ولكنني، ورغم قناعتي بهذه الأمور، لم أستسغ أبدا قرار إباحة القيادة للمرأة السعودية، شيء ما بداخلي جعلني أرفض هذا القرار على صوابه النظري، ولعل القارئ الكريم قد شاركني هذه الغصة الغريبة، وانزعاجي هذا سببه واحدد ووحيد، أن القرار لم يأت من نظر مستقل، ولم يتغير القول لتغير قناعة الحاكم ولا العالم، ولكن سبب تغيير القرار هو المزعج، إنه إرضاء أميركا، وتقديم القرابين لها، حتى ترضى عن الحاكم أو عن من يريد الحكم، بل إني أشك في هذا المقام بأن من أفتى بتلك الفتاوى الكاركاتورية، هو نفسه من أفتى بإزالتها، وكأنها كانت تمثل الدليل الواضح على نقصان عقول العرب والمسلمين يوم كانت، وهي تمثل الآن دليل التأثير الإيجابي لأميركا يوم زالت، المفتي واحد وهو مراصد الأفكار الأميركية، وليس لهيئة الإفتاء في ذلك إلا دور البلاغ المبين، وقد أدته بأمانة.

  
ما الذي تريده أميركا من دول الخليج من خلال الإفتاء بوجوب علمنة المنطقة بهذه الطريقة القيصرية؟ هل انتهت مرحلة شيطنة العرب والإسلام، من أجل جمع الداخل الأميركي وتوحيده ضد هذا العدو العنيف الذي يحمل اسم السلام؟ هل تريد تحويل المنطقة من بقرة تحلب البترول والدولار، إلى منطقة تجارية، تباع فيها سلع الفردوس الأرضي وخدماته خارج إطار الحلال والحرام؟ أيا كان المراد فهو لا يهمني، ما يريده البيت الأبيض من "البيت الأسود" لا يهمني، لأنه لن يعدو أن يكون دولارا يزيد أو ينقص، فذلك مبلغ علم ذلك البيت وربه، ما يهم -من الهَم لا من الأهمية- هو ما الذي يريده "البيت الأسود" من وراء تقديم القرابين للبيت الأبيض؟ هذا هو السؤال الذي يجعل العالم النحرير زنديقا.

 

البعبع الذي ولد كالمصيبة وسمي بالدولة الإسلامية، لم يكن له من غرض إلا تشويه الإسلام في أعين المسلمين قبل غيرهم
البعبع الذي ولد كالمصيبة وسمي بالدولة الإسلامية، لم يكن له من غرض إلا تشويه الإسلام في أعين المسلمين قبل غيرهم
 

جاء في القرآن قول الله تعالى "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا" لقد وضع الله البيت الحرام، ليكون ملجأ للإنسانية في أوقات غياب المعالم واختلاط المرجعيات، فإن هي عادت إلى قيم "البيت الأسود" فإنها ستجد أمنها وسعادتها، إن "البيت الأسود" يختزن في مدلولاته النموذج المنقذ للإنسانية في الأوقات الحالكة، التي يحاول فيها البشر استعباد البشر ولعب دور الآلهة فوق الأرض، فهل يعقل أن يستدبر القائم على هذا البيت معاني هذا البيت المثابة، ليستقبل بيتا وضع على سبخة من جرف هار، وقيم لا ترى في الإنسان أكثر من كيلوغرامات من المواد الأولية، وحقوقا ليس المراد منها إلا ضمان آلة تأكل ما تفرزه الدولار.

  
إن ريادة الأمم لم تحصل على مر التاريخ لمجتمعات مقلدة، لأن أول ركن من أركان التقدم هو التحرر والرشد، فإذا قلدت أمة ما نموذج أمة أخرى، وهي تختلف عنها في الموارد والمصادر والآمال، فقد حكمت على عملها بالفشل وعلى سعيها بالبوار، بل إن بعض الدول كالصين مثلا، اخترعت نظاما لا هو رأسمالي ولا هو اشتراكي، وهو نموذج لا يكاد يصلح إلا للصين وفي الصين، ولولا تحرر قادتها فكريا ونفسيا لما استطاعوا أن يخلقوا نظاما يجمع بين المتناقضات، والسعودية الآن لا تحتاج إلى عراف أو كاهن أو حتى خبير أو متمرس ليقول لها بأن ما تسعى إليه الآن حثيثا مآله ليس الفشل فقط، ولكنه الفشل الذريع، ليس لأنها ستقلد نموذجا مختلفا عنها، لن يصلح لها ولو أرادت، بل لأنها تستجدي نموذجا قد توفي في أرضه معرضة عن النموذج الذي تنتظره البشرية مختزنا في بيتها، البيت المثابة، "البيت الأسود".

  
يبدو بأن المملكة العربية السعودية لم تستطع أن تدرك سر هذه الحرب العالمية ضد الإسلام، ففي الأرض اليوم أزيد من 3000 دين وملة ونحلة، لا يذكر في وسائل الإعلام منها إلا دين واحد، وعلى الأرض أجناس وأمم وثروات، لا تشتعل النيران عليها إلا في ديار المسلمين، ثم هذا البعبع الذي ولد كالمصيبة وسمي بالدولة الإسلامية، لم يكن له من غرض إلا تشويه هذا الحلم في أعين المسلمين قبل غيرهم، ولِمَ الإسلام؟ لأنه الدين الوحيد القادر على توليد نموذج جديد مُنقذ، يتجاوز النموذج الغربي وحيد القرن، وكل معاني هذا النموذج مختزنة في "البيت الأسود"، البيت المثابة، ثم بعد ذلك كله، يستقبل "البيت الأسود" الحي البيت الأبيض الميت، أو قل المميت. ومهما يكن من حال فلا خوف ولا قلق، ولِمَ الخوف ولَمَ القلق؟ فللكعبة رب يحميها وللإنسانية إله يهديها.