احذروا الْمُمرِضاتِ…

blogs الممرضة

عندما جاءت الابنةُ وطَلبتْ من أبيها أن ينظرَ في التّخصصاتِ التي وضعَتْها من أجل الْقَبول في الجامعة؛ فتناول الأب القائمةَ وهو يفيضُ بالسّرورِ ولكنّ رَجْفَةً خَفيفةً مرّت بأنامِلِهِ وهو يمرّرُ عَيْنيه على الورقةِ، فما كان منه إلا أن رمى بها إليها وقال لها: شو؟ ايش؟ تَمريض؟؟ أنا بِنتي تَدْرسُ تَمريض؟؟ بالطّلاق من أمّك إذا تُدرسي تَمريض ما تكون أمك على ذمتي! ثمّ ولّى مدبراً ولم يُفسح لِعيونِهِ أن ترى الاستفهامات اللاّئي ارتسمنَ على عُيونِها… ما الذي حدث؟ في هَدْأْتِ الليلِ الْبهيمِ… وعلى مَقرُبَةٍ من نظرة المجتمع الآسنةِ كشّر الأب – لحظة ادعاء شرف زائف – أنّه لا يمكن أن يُزوّجَ ابنه لِممرضةٍ حتى لَوْ جَلَسَ ابنه طِوال عمره بلا زواج…

 

وإلى تلك التي تَجْلِسُ في زاوية الْمُصلّى وهي تَرْقُبُ الْفتياتِ وهُنّ يُؤدينَ فَرْضَ اللهِ عَليهنّ فتهمسُ لِكلّ فَتاةٍ تُنهي صَلاتَها بأن تَقْتَرِبَ مِنها وتَسألها: اسمك؟ من أي عائلة أنت؟ تخصصك؟ فإن نطقت الفتاة بأي تخصص كان إلا تخصص التمريض كانت تتم معها الأسئلة أما إن كان تخصصها تمريضاً فإنها تعتذر منها وهي تهمس في سرها "يا خسارة كل هالجمال يروح على التمريض".

 

لِمَ يتنكّر ذاكَ الرّجلُ لِهذا التّخصص وهو الذي تَفيضُ حُنجرتُهُ شَتائم وَسَطَ الطوارئ إن لم يجد ممرضةً تُعاين وَجَعَ زَوجته أو أمّه أو ابنته؟  لِمَ نتسللُ لِواذاً إلى الممرضات وهنّ يجلسنَ السّاعاتِ الطّوال يُدافِعْنَ النّعسَ وسِحْرَهُ، يرقبْن نبضَ قلوب أَحبابنا على أسرّةِ الشّفاءِ لِنسألهُنّ "طمنيني على أبوي"؟

 

كم مِنْ مُمرضةٍ شاركتْ أهلَ الْمُتوفّى دُموعَهم وهي لا تَعْرِفُ مِنهم طِوال مُكوثِهِ في الْمشفى سِوى الاستهزاء أو نظراتِ الانتقاص؟ وكَمْ مِنْ مُمرضة كاد قَلْبُها يَخْرُجُ مِنْ صَدْرِها عِندما بَلَغها خَبَرُ وفاةِ مَريضٍ كانتْ مُشرفةً عَليْهِ؟ كَمْ مِنْ مُمرضة كادت تَنزلقُ على درج الْمختبرِ لكي تَظْفَرَ بالنتيجةِ لِمريضٍ عندها؟ كَمْ مِنْ مُمرضةٍ جَعَلَتْ رَقمها الْخاص بين يدي أمٍّ لِطفل حتى تَبْقى الأم على مَقْرُبَةٍ مِنْ ابنها ولو على بُعد؟

 

أيتها الْمُمرضةُ.. عليكِ السّلام مع كلّ كلمةٍ أنيقةٍ تُزجيها لقلوب المرضى والمتعبين وعليكِ السّلام كلما لاحت لَكِ في لَيالي الشّتاءِ لَمْعَةُ شُهُبٍ في السّماء فإنها تَحيْة النّجوم لكِ
أيتها الْمُمرضةُ.. عليكِ السّلام مع كلّ كلمةٍ أنيقةٍ تُزجيها لقلوب المرضى والمتعبين وعليكِ السّلام كلما لاحت لَكِ في لَيالي الشّتاءِ لَمْعَةُ شُهُبٍ في السّماء فإنها تَحيْة النّجوم لكِ
 

كَمْ مِنْ مُمرضةٍ كانت سبباً في نجاة الكثيراتِ مِن الأمّهات اللواتي رَفضنَ أن تكونَ هذه الْمُمرضةُ زَوْجَةً لابنها فقط لِكونها مُمرّضة؟ كَمْ مِن مُمرّضة في مَدرِسِنا كانَتْ سَبباً في إنقاذ أبنائنا من مُضاعفاتِ إصابةٍ رِياضيةٍ أو انزلاقٍ على درجٍ أو تَنمّرٍ من طالب في الصّف؟

 

كَمْ مِنْ مُمرّضَةٍ حَبَسَتْ دُموعَها وتَركتها تَسيلُ إلى الدّاخل لِكَي لا يُشاهدَ زَوْجُها حَجْمَ التّعب الذي تُعانيه فيمنعُها مِن وَظيفتِها الْمحبّبةِ إلى رُوحِها؟ كَمْ مِنْ مُمرضةٍ يتوارى أخوها من أصدقائه أن يُجاهرَ بأن تلكَ الفتاةَ التي تَجْلِسُ في الْحافِلَةِ "أخته" فقط لأنّها مُمرضة؟

 

كَمْ من مُمرّضةٍ قوّمت لأطبّاءَ مَعلوماتِهم ثُمّ تَنكّبَ الطّبيبُ أن يُشيرَ إلى مَصْدَرِهِ في الْمعلومةِ خَوْفاً مِنْ أن يُقالَ لَهُ بانتقاصٍ: مصدر المعلومة ممرضة!؟ كَمْ مِنْ مُمرضةٍ عَدلَتْ عَنْ طَريقِها لأنّ رَجُلاً قَدْ أخذتْهُ نَوبةُ صَرَعٍ وَسَطَ الطّريقِ فكانتْ لَهُ مُعيناً ألا يتفاقَمَ الأمر إلى ما لا يُحمد عُقباه؟ كَمْ مِنْ مُمرضةٍ أعانتْ شاباً وهو على سَريرِ الشّفاءِ بِنصائحَ تُقلّل مِنْ التّوترِ النّفسي لَديهِ وعِنْدَما بَدأَ يَبْحَثُ عَنْ زَوْجِةٍ قَالَ لأمّهِ: ابحثي لي وإيّاكِ أن تكون مُمرّضة؟!

 

التّغني والتّطبيل والتّزمير بالممرّضةِ الأولى في الإسلامِ "رُفيدة" يذْروه الرّياح عندما تَرغبُ أن تسيرَ على طريقِها في التّمريضِ أُختٌ أو بِنتٌ لنا… والحديثُ عَنْ عَمَلِ الْمرأةِ يَمْلأ فَضاءاتِ الْمجالسِ ولكن إن رَغِبَتْ الفتاةُ بأن تَعملَ في التّمريض فإنّ سَيلاً من الإيماءاتِ الْمستغربةِ بَلْ والنّكاتِ السّمجةِ إلى أن يَتجرأ أحدهم لكي يطعن في أخلاق الممرضات..

 

إليكِ أيتها الْممرضة… الطّموح يُشْبِهُ عَنقاءِ أبي الْعلاء التي تَنْتَفِضُ مِنْ الرّمادِ بَعْدَ مَوْتِها لِكي تُعْلِنَ مِيلادَ حياةٍ جَديدةٍ والشّغفُ بما نُحب إن وُضِعَ بَينَ يَدي الشّانئين فإن جَذْوَتَهُ تَخبو والتّوقُ للنهوضِ بالذّاتِ يَتقهقرُ كُلما جعلنا ذواتَ الآخرينَ مِقياساً لَنا…

 

أيتها الْمُمرضةُ.. عليكِ السّلام مع كلّ كلمةٍ أنيقةٍ تُزجيها لقلوب المرضى والمتعبين وعليكِ السّلام كلما لاحت لَكِ في لَيالي الشّتاءِ لَمْعَةُ شُهُبٍ في السّماء فإنها تَحيْة النّجوم لكِ إذ تَهْمِسُ في قَلْبِكِ النّابِضِ: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان