فهم النص القرآني بين الانضباط والتسيب

Blogs- quraan

كان تفسير كتاب الله تعالى أول العلوم نشأة في الفكر الإسلامي، من حيث التدوين والتصنيف والممارسة، ومع تطور العلوم الإسلامية واتساع رقعتها، وكثرة الاشتغال بها، ظهرت الحاجة إلى ضبط العملية التفسيرية، وبدأ البحث عن القواعد والأصول المحكمة التي من شأنها أن تعصم المفسر من الخطأ، وتمنع العبث بالنصوص الشرعية وليّ أعناقها، وتضبط عملية الفهم عن الله تعالى، واستنباط الأحكام والحكم الشرعية من مظانها، بحيث تكون قانونا مُحْكَمًا في تفسير النص الشرعي.

 

وهذا العلم النافع الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأنه: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر". وقد بذل العلماء غاية جهدهم في فهم كتاب الله تعالى واستنباط الأحكام والمعاني الشرعية منه، ولما كان الفهم السليم المنضبط أول الخطوات المنهجية للاستفادة من كتاب الله، كانت صيانةُ هذا الفهم من التحريف والانتحال أولى الأولويات، لأن تحريف كتاب الله أمر مستحيل لتكفل الله تعالى بحفظ كتابه، لقوله عز وجل: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".

  

والذي يدفع إلى تحريف الفهم وإلى التأويل الفاسد هو موقع النص القرآني في أمة الإسلام بكل طوائفها ومذاهبها، إذ النص هو مِحْورُ الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم، حتى وُصفت الحضارة الإسلامية بحضارة النص، وكلُ ما أنتجه الفكر الإسلامي لا يعدُو أن يكون إما موثقا للنص أو محققا له، أو مساعدا على فهمه أو مستنبطا منه. وهناك سبب موضوعي آخر يدفع إلى تحريف فهم طبيعة النص الشرعي لكونه حَمَّالُ أوجه، ويقبل تعدد المفهوم، إضافة إلى احتياج الناس إلى إضفاء الشرعية على أفكارهم وأقوالهم، وفي هذا يقول ابن أبي العز الحنفي: "ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص".

 
وقد دأبت الحركات الإصلاحية والتيارات الفكرية والعقدية، على استمداد مشروعيتها من النص، فلا تقبل فكرة أو دعوى ما لم يشهد لها النص بالصلاحية، ولذلك نرى الكل يلوذ بالنص ويلجأ إليه لاستمداد المشروعية منه، وهذا ما أعطانا فُهُومًا متعددة للقرآن الكريم قد تصل إلى حد التناقض. والذي جعل مثل هذه المفهوم تكثر وتتعدد إلى حد الفوضى وضياع الحقيقة الشرعية بين أهل الأهواء والضلالات، هو عدم وجود أصول وقواعد للتفسير تضبط الفهم عن الله تعالى، وقد قيل في شأنه بأنه من العلوم التي لم تنضج بعد.

 

الأخذ مباشرة من القرآن يستلزم من الضوابط والشروط ما لا يمكن أن تتحقق إلا في العلماء والمجتهدين، ومن لا يمتلك الأدوات المساعدة على الفهم والاستنباط، معرَّضٌ للخطأالأخذ مباشرة من القرآن يستلزم من الضوابط والشروط ما لا يمكن أن تتحقق إلا في العلماء والمجتهدين، ومن لا يمتلك الأدوات المساعدة على الفهم والاستنباط، معرَّضٌ للخطأ
 

فالحديث مثلا له أصول تضبط نقله وتحصنه من عبث العابثين من الزنادقة والمبتدعين، لهذا فكلل المحاولات التي أرادت العبث بالسنة باءت بالفشل. وكذلك الفقه له أصوله التي تضبط عملية الاستنباط والتشريع وتقيه من زيغ الأهواء وانحراف المفهوم، إلا أنَّ التفسير بقي بلا أصول ولا قواعد تضبط وتحكم العملية التفسيرية، حتى إن البعض نزع عنه صفة العلمية، وقال إنه لم يرتق بعد إلى مستوى العلم، بمعنى أنه يفتقر إلى الجانب التنظيري التأطيري، الذي يحميه من تَقَوُّلِ القائلين وانتحال المبطلين، لهذا كان من أهم تجليات هذه الفوضى: التأويل الفاسد والانحراف في فهم النصوص الشرعية، والذي أنتج بدوره انحرافا في السلوك لدى أفراد وجماعات، كانت نتائجها وخيمة على الأمة.

 

ما زالت ترخي بظلال وخيمة أهلكت الحرث والنسل إلى يومنا هذا، من فُرقة في الدين، ومروق منه، وإلحاد فيه، وصولا إلى الاقتتال والفتنة بين أبناء الأمة والملة الواحدة، قال ابن أبي العزّ في وصف هذه النتائج: "وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قُتِلَ عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين رضي الله عنه، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد".

 
ومن الأسباب التي أدت إلى الانحراف في الفكر والاعتقاد والسلوك في عصرنا الحالي، وأدت إلى التكفير واستباحة الدماء والأموال والأعراض، هي الأخذ مباشرة من القرآن دون الرجوع إلى أقوال العلماء أو التمكن من العلوم الشرعية. وإذا كان هذا الأمر -أي الأخذ المباشر من القرآن الكريم- ممكنا زمن الصحابة الكرام لكونهم أعرف بلسان العرب، والقرآن نزل بلسانهم، وشاهدوا أسباب النزول، وعايشوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه اليوم غير متاح لغير العلماء الربانيين.

 

إذا كان الغرب اجتهد وأبدع في العلوم الإنسانية والمادية بما أتاح له التربع على قيادة العالم، فإن واجب المسلمين اليوم هو بعث الفكر الإسلامي وتجديدهإذا كان الغرب اجتهد وأبدع في العلوم الإنسانية والمادية بما أتاح له التربع على قيادة العالم، فإن واجب المسلمين اليوم هو بعث الفكر الإسلامي وتجديده
 

والأخذ مباشرة من القرآن يستلزم من الضوابط والشروط ما لا يمكن أن تتحقق إلا في العلماء والمجتهدين، ومن لا يمتلك الأدوات المساعدة على الفهم والاستنباط، معرَّضٌ للخطأ والانحراف أكثر من غيره، وقد أرشدنا الله تعالى إلى الطريق الحق في ذلك عندما قال: "فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، واستسهال الأخذ من القرآن مباشرة أنتج ظاهرة تجاوز العلماء، وإزاحتهم من المكانة التي تتيح لهم القيادة والتوجيه والإرشاد للأمة عامة والشباب خاصة.

 

وبسبب هذا تصدَّرَ غير المتأهلين للتفسير والإفتاء والدعوة من شباب حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام الذين لا فقه لهم ولا علم، فعمدوا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ففهموها على غير معانيها ومقاصدها الصحيحة، وأولوها في غير محلها، وبغير شروطها، وأنزلوها على مناط غير مناطها، ومعلوم أن تحقيق المناط ليس بالأمر السهل، ولا ينبغي أن يخوض فيه إلا العلماء الراسخون في العلم وفق ضوابط وقواعد محددة. وهذه الطريقة- أي الأخذ مباشرة من القرآن بغير حقه- هي التي جرَّت على الأمة الإسلامية الكثير من الويلات قديماً وحديثاً.

 

إذا كانت جهود علماء الأمة قد أحكمت توثيق النص الشرعي بما لا يدع حاجة إليه اليوم، فإن الاشتغال به اليوم تضييع للجهد

ونفس الأمر ينطبق على الأخذ بالحديث مباشرة دون معرفة بمعارضة حديث آخر له، أو كونه منسوخا، أو مرجوحا، أو غير ذلك مما اشترطه العلماء الذين شرحوا قولة الإمام الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، حتى قال العلماء يأخذ بالحديث من كملت له آلة الاجتهاد، وليس الأمر متاحا لمن هب ودب ممن ليست له أهلية الاجتهاد. قال أبو عمرو ابن الصلاح: "فمن وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه نظر إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقا، أو في ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جوابا شافيا، فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب إمامه هنا".

  
إذا كانت قضايا خطاب الوحي تكشف جهود العلماء المسلمين في خدمة النص الشرعي توثيقا وفهما واستنباطا، وذلك بإبداع مناهج وقواعد علمية صارمة مانعة من الانحراف في الفهم والسلوك، بما أسس ثقافة إسلامية راقية امتدت عبر العصور وأنقذت البشرية في ذلك الزمن من التيه العقدي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وإذا كان الغرب اجتهد وأبدع في العلوم الإنسانية والمادية بما أتاح له التربع على قيادة العالم، فإن واجب المسلمين اليوم هو بعث الفكر الإسلامي وتجديده.

 
وإذا كانت جهود علماء الأمة قد أحكمت توثيق النص الشرعي بما لا يدع حاجة إليه اليوم، فإن الاشتغال به اليوم تضييع للجهد. ويبقى مجال فهم النص الشرعي -على ما بُذل من جهد فيه- محتاجا للتجديد بما يناسب حاجة المسلمين اليوم، لأن كثيرا من الغيورين على الإسلام أوتي من جهة الفهم لا من جهة التطبيق. ولذلك فإن فهم النص الشرعي ليس دعوىً يدعيها كل أحدٍ، بل هو مضبوط بأصول وقواعد متينة، ومن حُرم هذه القواعد والأصول حُرم الوصول والتجديد، المطلوب اليوم تجديد العلوم المساعدة على فهم النص الشرعي وتنزيله.