في ذكرى ميلاد الرحمة للعالمين

Blogs- مسجد المدينة

لم تكن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عظيمةً بانشقاق القمر أو بتفجر الماء بين أصابعه الشريفة، فالقرآن لا يقدم نفسه بأنه كتاب المعجزات والخوارق بل إنه يرد على قريش حين اشترطت لإيمانها مجموعةً من المطالب الإعجازية مثل أن يفجر لهم محمد من الأرض ينبوعاً أو أن تكون له جنة من نخيل وعنب فيفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو يسقط السماء عليهم كسفاً أو يأتي بالله والملائكة قبيلاً أو أن يكون له بيت من زخرف أو يرقى في السماء، يرد القرآن عليهم: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً"! 

 

إن القرآن لا يفتأ يعيد التأكيد بأن محمداً هو بشر تماماً مثل بقية البشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولا يعلم الغيب: "قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً: "قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً". إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس عظيماً بخروجه عن القوانين البشرية، بل هو مكرم بالوحي الإلهي: "ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً إلا رحمةً من ربك إنَّ فضله كان عليك كبيراً".

 
"الله أعلم حيث يجعل رسالته" وحين أودع الله رسالته في القلب المحمدي فبعد أن بلغ محمد ذروة السمو الروحي والعظمة الأخلاقية التي يمكن أن يبلغها إنسان فغدا هذا القلب بلورياً شفافاً مهيئاً لاستقبال النفحات الإلهية، لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثال العدل والرحمة والخلق الإنساني الكامل: "وإنك لعلى خلق عظيم"، فجاء الوحي مكملاً لهذه الفضائل: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 
كان محمد عظيماً لأنه رحمة مهداة إلى هذه الأرض المتعبة بالمآسي والأحزان. كان رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين يخشى عليهم العنت فيقول لهم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". كان ينهاهم عن كثرة السؤال مخافة أن يشق عليهم، كان يحاجج ربه في أمته ليخفف عنهم فإنهم لا يطيقون، لم يأت محمد بتكاليف دينية تشق على الناس وتعسر عليهم حياتهم بل جاء ليحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم الإصر والأغلال التي كانت في الأمم السابقة. كان نبي الرحمة يناجي ربه طوال الليل بآية واحدة يظل يكررها: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" هذا الدعاء لعيسى عليه السلام لامس وجدان النبي محمد صلى الله عليه وسلم المشفق على قومه فظل يلح على ربه أن يغفر لعصاة قومه.

 

محمد عظيماً حين دخل مكة منتصراً وواجه قومه الذين أخرجوه من وطنه وحاربوه وقتلوا خيرة أصحابه، فقال لهم ماذا تظنون أني فاعل بكم! فأطرقوا خجلين

لم تكن رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصةً بأتباعه، بل رحمة عامة اتسعت لمن كذبه وعاداه، كانت رغبته ملحةً في هداية قومه إلى الخير، كان معهم كالأم الحنون والأب الشفوق: "يا قوم إني أخاف عليكم"، لقد بلغت به شدة الحرص على هدايتهم أن كاد يزهق نفسه أسفاً وشفقةً من عدم استجابتهم: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً"، "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات".

 
لم يأت النبي محمد بمشروع صدامي مع قومه، كان إنساناً مسالماً وديعاً، وحين أخبره ورقة بن نوفل في مطلع رسالته أن قومه سيخرجوه سأله بكل براءة: "أو مخرجيَّ هم؟ " إن خيال محمد الجميل النقي لم يكن يتصور في أشد لحظاته أن قومه الذين يحبهم ويريد الخير لهم قد يخرجوه يوماً ما! لم يكن محمد منظراً عن السلام والأخلاق بل كان مشبعاً بروح سلامية تفيض بصدق وتلقائية في كل محطات حياته، ها هو يعبر ذات مرة عن رغبته في أن يعم السلام بينه وبين قومه: "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين".

 
لقد قاتل محمد حين فرض عليه القتال رداً للعدوان ولأن طبيعة العلاقات السائدة بين القبائل والدول كانت لا تدين بالولاء إلا للأقوياء، فكان لا بد من إطار سياسي يحمي الدعوة الوليدة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور وتقيم القسط بين الناس، وشتان بين من يقاتل مضطراً لغاية أخلاقية وبين من يقاتل عدواناً ورغبةً في سفك الدماء. كان محمد عظيماً حين دخل مكة منتصراً وواجه قومه الذين أخرجوه من وطنه وحاربوه إحدى وعشرين عاماً وقتلوا خيرة أصحابه، فقال لهم ماذا تظنون أني فاعل بكم! أطرق القوم خجلين من ماضيهم الأسود في انتظار قرار من صار بيده الغلبة والسلطان، جاءت الكلمات التي خشعت لها أسماع التاريخ: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

 
محمد عظيم بمبادئ دينه الأخلاقية حين يلقي خطابه الأخير في أمته قبل وفاته بقليل في حجة الوداع: "إن دماءَكم، وأموالَكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا."، "ألا كلُّ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحت قدَميَّ موضوعٌ، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوَّل دمٍ أضعُ من دمائِنا دمُ ابنِ ربيعةَ بن الحارث- ابن عمه- ".

أتدرون أي جرم يقترفه المسلمون في هذا العصر، هو تقصيرهم في تعريف العالم بنبي الرحمة والسلام بينما هذا العالم الذي هدته الحروب والمآسي عطش لمن يأخذ بيده ليخرجه من الظلمات إلى النور
أتدرون أي جرم يقترفه المسلمون في هذا العصر، هو تقصيرهم في تعريف العالم بنبي الرحمة والسلام بينما هذا العالم الذي هدته الحروب والمآسي عطش لمن يأخذ بيده ليخرجه من الظلمات إلى النور
 

محمد عظيم حين كان لا ينطق إلا صدقاً ولا يحكم إلا عدلاً ولو على نفسه والأقربين، لقد بلَّغ محمد وحي ربه حتى في أكثر المواطن حساسيةً حين كان الوحي يدينه، لقد نزل الوحي منتصراً للأعمى المسكين الذي أعرض محمد عنه في عشر آيات بينات، ونزل الوحي ليذيع خطرات النبي محمد على الملأ مما يخجل أي إنسان عن البوح به: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"، ونزل القرآن انتصاراً ليهودي اتهمه رجل من الأنصار بالسرقة كذباً وبهتاناً فنزل القرآن معاتباً لمحمد لأنه صدق دعوى الأنصاري وحذره من أن يكون للخائنين خصيماً. لو كان هذا القرآن من عند محمد، فلماذا يدين نفسه وينصف أعداءه فيه! إنها العدالة الكاملة والحق المبين: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله".

 
مرت جنازة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فقام، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا تأملوا السمو الأخلاقي في هذا الموقف النبوي، ،احتراما لنفس البشرية من حيث كونها نفساً بغض النظر عما تدين به، ،وإكراما لميت حتى لو كان يهودياً، لكن السؤال: لماذا لم يجد مثل هذا الحديث طريقه في واقعنا الاجتماعي والسياسي بعشر معشار ما وجدته مروية "جئتكم بالذبح" على سبيل المثال!

 
إن كثيرين منا قد هجروا رسالة نبيهم وحولوها من الرحمة للعالمين إلى النقمة على العالمين، إنهم يقدون في أذهانهم نبياً على قد أمزجتهم المريضة ليبرروا به الواقع الوحشي القاسي بدل أن نستلهم سيرة النبي الرحمة للعالمين الذي حزن ذات مرة على طائر فقد فرخه، فقال لأصحابه: "من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها". أتدرون أي جرم يقترفه المسلمون في هذا العصر بتقصيرهم في تعريف العالم بنبي الرحمة والسلام بينما هذا العالم الذي هدته الحروب والمآسي عطش لمن يأخذ بيده ليخرجه من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل.