السراج الذي معك ليس لك

blogs - مصباح يدوي سراج
من جملة ما وعظته به نفسه يقول جبران: (وعظتْني نفسي فعلّمتني أن السّراج الذي أحمله ليس لي ، والأغنية التي أُنشدها لم تتكون في أحشائي ، فأنا وإن سِرْتُ بالنور لست بالنور ، وإن كنت عوداً مشدود الأوتار فلست بالعوّاد).
شكرًا يا جبران على ما ألهمتنا به مما سيبقى خالداً ومنقوشاً على جدار، وهذا يمثل صياغةً للوجيه من الناس الذي يسمع حسيس نفسه وصوتَها الخافت، ويُبصر حركاتها وتقلُباتها، ويتعاطى مع المعقول باستخدام منظومة الإحساس.

في هذه المقتطَفة العجيبة يُجلّي جبران حكمة خامِلة ومتروكة تتخطّى كلماته المكتنِزة إلى أن تسوق معنى نابه، وطرازاً رفيعاً من النّظر السّديد، فمالنّور الذي يحمله صاحبه من سَعة علم وبلاغة حكمة ليُنير به دنيا الناس إلا نص مُكتسب من تفاعُله مع الحياةِ والوجود واقتِباس من تَرِكة العلم التي مُنحت له أو سار إليها، فلم تتخلّق نطفتُها في أحشائه ولَم تكن منها البداية، فما خَبِره هو نظم من التّجارب والخبرات التي تلاقحت مع مكنوناته، وأسفرت إلى نظرته للأشياء من حوله وأبرزت شخصيّته ومنحته تذوقاً للحياة يتميّز به عن غيره.

وجبران هنا وكأنما يدعو أولي العلم من خلال نفسه إلى تواضع جم وبُعد عن العُجب بما استولت عليه ألبابهم من سُبل المعرفة ومذاهب الحكمة، وبما استوطنت في أفئدتهم طرائِق البصيرة والذكاء، ودعوة إلى أن يُغدق الطّالب سلسبيل الوفاء لكل من علّمه سواء أكان بشرا أو حركة من حركات الطبيعة أو حتى حيوانا علمه خصلته أو صفته أو طائرا يشُق ثوب السماء الأزرق، فمن علم قابيل مواراة جثة أخيه إلا الغراب البهيم، فما هو منك ليس لك، قال الحكيم تعالى قاصداً سليمان النبي (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ).

التقوى على إطلاقيّتها تقود الإنسان إلى أن يسير محاذاة حذره وخوفه، وذلك بفعل ما تمنحه من الرقابة الذاتيّة للنفس فتجعل الخشية من الإقدام أكثر من الخشية من الإحجام
التقوى على إطلاقيّتها تقود الإنسان إلى أن يسير محاذاة حذره وخوفه، وذلك بفعل ما تمنحه من الرقابة الذاتيّة للنفس فتجعل الخشية من الإقدام أكثر من الخشية من الإحجام
 

ولإن قال أحدهم إنما أوتيتُه على علمٍ عندي فلنصحبه سوية إلى قصة "حجة الإسلام" الإمام الغزالي رحمه الله مع كبير اللصوص، تذْكُر السّير أنه حينما كان طالباً للعلم، وبينما كان عائداً من بلدة جرجان إلى بلدته طوس، قطع عليه مجموعة من اللصوص الطريق، وسلبوه جِرابه المليئة بالكتب والقراطيس ظناً منهم أنها مليئة بالمال، فأخذ يستجْديهم أن يُعيدوا إليه كُتُبه التي تعِب في تحْصيلها أثناء رحلته، فجَرت الحكمة على لسان كبير اللصوص قائلاً له: يا هذا، "العلم ما استُودع الصدرَ لا السطرَ"، فكأنّما أودعه سهماً في صدره، فأخذ الغزالي جِرابه وانكفأ عائداً إلى بلدته مُنكبّاً يحفظ ما كتبه في تلك الكتب حتى أصبح مرجع زمانه في الفقه وسائر العلوم، فكأنما صنعته جرعة الحكمة من فم لصٍ قاطع للسبل.

الموعظة في أصلها موجودة داخل الإنسان بشكل مفكك، فالواعظ الخارجي ما عليه إلا أن يُركِب صورتها ويُنقِـب عنها، وموعظة جبران تجمع بين الواعظ والموعوظ، فما الذي يدفع النفس لتعظ ذاتها إلا زوال الغَبَش عنها، ووضوحها بجلاء غطاء التّزكية الذي يضْفيه الإنسان عليها والذي يُجمّلها بمرآة العُجْب الشّفافة التي لا تعكس فيرى أن نفسه لا تشوبُها أية شائبة، فإن جاز التّشبيه فهي كالمِعْمار المتهالك الذي وقع تحت ريشة فنانٍ محترف قتل الصورة الحقيقة بلونٍ جميلٍ ظاهر.

ولذا فقد ينهار هذا البناء فجأة وبشيء يدفع إلى الدهشة لأن الصورة كَذبتْ فإن لم يُبادر إلى الإصلاح كانت العاقبة الخراب، ومن عجائب ما خط القرآن (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ)، فحل لباس التْزكية المزيّف بلباس التّقوى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) الذي لا يجلس على ركاكة وضعف وبوار، ولأن التقوى على إطلاقيّتها تقود الإنسان إلى أن يسير محاذاة حذره وخوفه، وذلك بفعل ما تمنحه من الرقابة الذاتيّة للنفس فتجعل الخشية من الإقدام أكثر من الخشية من الإحجام وهكذا، فتبدو النفس أكثر وضوحاً أمام ذاتها لأن اللسان لا يُنكر لغته ولا الوجه ملامحه.

وختم جبران معزوفته قائلاً: "وعظتني نفسي يا أخي وعلمتني، ولقد وعظتك نفسك وعلمتك فأنت وأنا متشابهان متضارعان، وما الفرق بيننا سوى أنني أتكلم عما بي وفي كلامي شيء من اللجاجة (البوح)، وأنت تكتم ما بك وفي تكتّمك شكل من الفضيلة".