من يوميات الشامخ المصري

blogs دار القضاء العالي

في إحدى جلسات قضية قلب نظام الحكم الذي أتُهم فيها المستشار محمود عبد اللطيف إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ثبُت للمحكمة أن القضية تم تلفيقها بالكامل للتنكيل بالمستشار المغضوب عليه وذلك بعد التثبت من كذب شاهد الإثبات وتزوير الأحراز فحكمت المحكمة ببراءته من تلك التهمة التي كادت أن توصله إلى حبل المشنقة، لتخرج ورقة من مكتب رئيس الجمهورية مكتوب عليها "قضاة محمود عبد اللطيف (بره)"، ويتم عزل المستشارين حلمي قنديل وفؤاد الرشيدي.

 

وبعد الحكم بالبراءة استخدام عبد الناصر سلطته كحاكم عسكري وأشّر بإلغاء الحكم وإحالتها لدائرة أخرى، وفي أول جلسة من جلسات نظر القضية طالبت هيئة الدفاع برئاسة نقيب المحامين عبد العزيز الشوربجي بالتأجيل، إلا أن رئيس الجلسة أذهل الجميع فلم يوافق على طلب التأجيل فقط وإنما حكم من أول جلسة ببراءة المتهمين فوراً مما نُسب إليهم لتضُج القاعة بالهتاف لهذا القاضي الذي لم يهب مصير زملاءه الذين تم إخراجهم من القضاء، ولم ينتهِ الأمر عند هذه اللحظة وإنما خرج المستشار عبد العزيز أبو خطوة رئيس الدائرة فور إصداره الحكم مغادرا مبنى المحكمة ومتوجهاً إلى مكتب وزير العدل مقدماً استقالته التي كتب فيها "بيدي لا بأيدكم.. فلن أمكنكم من إرهاب القضاة بعزلي "ليترُك منصة القضاء رافعاً رأسه بشموخ وعزة.

 

عمليات اختطاف وإخفاء قسري وإهمال داخل السجون وقتل بالبطيء وتعذيب لشباب لم يرتكب ذنباً ولا يُقدم على جرم، في الوقت الذي يُطلق فيه صراح المجرمين الذين نهبوا وأفسدوا وطنً بأكمله

ورغم أن هذا الحكم لم يكن ليُثني عبد الناصر عما أراده إلا أن القدر شاء أن تبقى كلمة العدل مرفوعة فوق إرادة أعلى رأس في الدولة، فبعد الحكم الثاني بالبراءة أشّر عبد الناصر على الحكم بخط يده بعبارة "يبقى محمود عبد اللطيف في السجن حتى الموت "وبالفعل ظل المستشار البريء في سجنه حتى الموت الذي كان من نصيب ناصر وخرج من السجن بعد أيام من موت الزعيم.

 

وأكثر من ذلك ما فعله قُضاة أجلاء أخرين تحدوا إرادة أعلى مسؤولين في الدولة بل وتكذيبهم علناً على رؤوس الأشهاد مثلما وقع في قضية مديرية التحرير التي اتهم فيها عبد الناصر الدكتور أحمد السمني بالسرقة في خطاب جماهيري ليقوم المستشار رياض لوقا بتكذيب الرئيس والحكم ببراءة الدكتور الذي أُريد له أن يكون كبش فداء لبعض الضباط الفاسدين، ومثله المستشار الجليل حكيم منير صليب الذي حكم ببراءة المتهمين في قضية انتفاضة الخبز عام 1977، قائلاً في حيثيات حكمه أن ما حدث في مصر انتفاضة شعبية وليست انتفاضة حرامية وهي العبارة التي وصف بها الرئيس السادات تلك الأحداث الشهيرة، ولم يخف القاضي العادل من بطش رئيس الجمهورية ولم يسمع سوى لصوت ضميره اليقظ.

 

تلك المشاهد وغيرها الكثير من صفحات بيضاء كتبها التاريخ في حق قضاة أجلاء تجعلنا نتحسر على ما وصل إليه حال القضاء المصري الذي لم يعد يمثل سوى يد باطشة لحاكم فجر في خصومته فُجرً ليس له مثيل، فأصبحنا نرى كبار أعمدة القضاء وهما يتخاذلون عن نُصرة المظلومين مثلما حدث في قضية علاء عبد الفتاح الذي يدفع من عمره سنوات طوال ثمن قول الحق والذي تنحى نائب رئيس محكمة النقض بكل سلطته وسلطانه من الحكم في قضيته الملفقة تلفيقاً فجاً باتهامه بالتظاهر في مظاهرة لم يحضرها ولم يتواجد فيها بالأساس.

 

ولما لم يذكر القاضي أسباب تنحيه ولم يكن هناك أية صلة تجمعه بالمتهم فمن الواضح جلياً أن قرار التنحي ناتج عن حرج سيادة المستشار من مكالمة هاتفية طالبته بما لا يسمح به ضميره، إلا أن قراره هذا لا يمثل سوى مُسكناً لضميره، متوهماً بأن إغماض عينه عن الظلم والسكوت عن قول الحق كفيلاً وكفاية في هذا الزمن الأسود، على الرغم من أن ما يمكن أن يدفعه مقابل كلمة الحق التي خُلق وعُيّن من أجلها لن يُمثل شيء أمام عمر هذا الشاب الذي يضيع ظُلماً وعدواناً وفُجراً في الخصومة مع ذلك الحاكم المجرم.

 

مشاهد مؤسفة تشهدها أروقة المحاكم المصرية كل يوم، بين الحكم بالإعدام على المئات دون أي أدلة وضياع سنوات طويلة من أعمار الألاف في اعتقال ظالممشاهد مؤسفة تشهدها أروقة المحاكم المصرية كل يوم، بين الحكم بالإعدام على المئات دون أي أدلة وضياع سنوات طويلة من أعمار الألاف في اعتقال ظالم
 

وربما الأعجب من ذلك ما حدث في قضية إسلام مرعي أمين التنظيم بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ذلك الشاب الذي اختار العمل السلمي والنضال الديمقراطي قضية ومهمة لتغيير وطنه فتم اتهامه بالانضمام وتمويل الجماعات الإرهابية لا لشيء إلا لدفاعه عن جزيرتي تيران وصنافير الذي قرر السيسي التنازل عنهما بكل بساطة وأريحية، ويوم النطق بالحكم شهد المحامين وجود ضابط الأمن الوطني الذي لفق له تلك الاتهامات داخل قاعة المحكمة على الرغم من قرار القاضي بعدم تواجد أي أحد سوى المحامين.

 

وبعد النطق بالحكم على إسلام بالحبس لمدة عام واحد وانصراف هيئة الدفاع لم ينصرف ضابط أمن الدولة وظل جالساً داخل القاعة، ليتم تعديل الحكم مرة أخرى وإخبار المحامين بأن الحكم أصبح 3 سنوات بدلاً من سنة واحدة لينكشف سر حضور وبقاء ضابط الأمن الوطني في قاعة المحكمة في مشهد مخجل لكل منتسب لتلك المنظومة.

 

مشاهد مؤسفة وغيرها الألاف تشهدها أروقة المحاكم المصرية كل يوم، بين الحكم بالإعدام على المئات دون أي أدلة وضياع سنوات طويلة من أعمار الألاف في اعتقال ظالم تحت مسمى الحبس الاحتياطي وعمليات اختطاف وإخفاء قسري وإهمال داخل السجون وقتل بالبطيء وتعذيب لشباب لم يرتكب ذنباً ولا يُقدم على جرم، في الوقت الذي يُطلق فيه صراح المجرمين الذين نهبوا وأفسدوا وطنً بأكمله، وكأن ساحات ومنصات القضاء المصري قد تم ضمها لوزارة الداخلية أو رئاسة الجمهورية فلم يعد يرتجي أحد منها عدل ولا ضمير.



حول هذه القصة

الحرية للصحفي محمود حسين

جدد القضاء المصري حبس الزميل محمود حسين لمدة 45 يوما أخرى دون إدانته بأية تهمة. وكانت السلطات اعتقلته يوم 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي أثناء زيارته للقاهرة لقضاء إجازته السنوية.

Published On 29/4/2017
صور أرشيفية لهيئة محكمة مصرية

هناك عدة تفسيرات لرضوخ الحكومة المصرية للضغوط الخارجية في سبيل الإفراج عن الأجانب سريعا من دون المصريين، فإما أن القضايا ملفقة أو أن الحكومة تسعى للهيمنة على القضاء.

Published On 19/5/2017
تيران وصنافير - تعليم

أصدرت المحكمة الدستورية العليا بمصر قرارا بوقف تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء الإداري والقضاء المستعجل بشأن اتفاقية تيران وصنافير، مما يفتح الباب أمام تصديق الرئيس المصري عليها وتسليم الجزيرتين للسعودية.

Published On 21/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة