على الرغم من بعد المسافة بين فلسطين والسودان فقد ارتبط أهل السودان وجدانيا بفلسطين وبيت المقدس بعلاقات خاصة حتى قبل أن يدخلوا الإسلام أو المسيحية، فأيام ما كانوا وثنيين زمن ملك النوبة "ترهاقا" تحالفت مملكة النوبة مع الممالك اليهودية لصد الهجمات الأشورية، واستطاع بجيشه إيقاف الغارات الأشورية حتى وصفه الكتاب المقدس باسم (ملاك الرب)، وفي عصر ما بعد الممالك اليهودية في فلسطين كان الحجاج النوبيين من شمال السودان يتوافدون للأرض المقدسة للصلاة في القدس وزيارة الأماكن المقدسة بدوافع دينية.
فيحكي لنا كتاب سفر أعمال الرسل المسيحي قصة وزير الملكة كنداكة الذي التقاه القديس فليبوس وهو يقرأ سفر النبي أشعياء في طريقه إلى (أورشاليم) فبشره بالنبي عيسى ثم عمده وتركه يرجع إلى بلاده لينشر المسيحية ومسألة وجود وزير من النوبة يقرأ في سفر ديني يهودي وهو حاج إلى القدس فهذا يشير إلى انتشار اليهودية حتى عمق بلاد النوبة وعلى أن هناك رحلات دينية منظمة كانت تأتي من بلاد النوبة إلى القدس.
وعندما تنصر نوبة شمال السودان في القرن الثاني الميلادي فقد كانت الرحلات الدينية تذهب إلى القدس بشكل منتظم طلبا للعلم الديني ورغبة في زيارة آثار السيد المسيح وكنائس شمال السودان تظهر تأثر بالغا من قبل مسيحيي السودان بالكنائس في فلسطين وبلاد الشام من خلال النقوش والفسيفساء.
| وقائع حرب 1948م تشهد أن المتطوعين السودانيين قاتلوا ببسالة شديدة حتى وصفهم اليهود بالوحوش ومعركة بيت دراس في أطراف غزة تشهد |
وعندما دخل أهل السودان الإسلام فقد استمرت رحلاتهم إلى بيت المقدس بدوافع (صوفية) ولزيارة أقدس البقاع بعد الحرمين الشريفين والصوفية يشتهرون بالسياحة في الأرض طلبا للعلم ورياضة للنفس هذا كان قديما أما في تاريخ السودان الحديث فالروايات الشعبية تحكي لنا قصة الرهط من أهل دارفور عام 1948م الذين كانوا في سفينة وهم حجاج فبلغهم خبر ما تفعله العصابات الصهيونية في إخوانهم من أهل فلسطين فتركوا الجهاد الأصغر (الحج) إلى الجهاد الأكبر وذهبوا إلى فلسطين وقاتلوا هناك حتى قتلوا عن آخرهم ودفنوا في مقبرة تسمى باسمهم في مدينة حيفا (المحتلة) ومنطقة السودانية شمال غزة تشهد على رباط السودانيين في جهاد متواصل دفاعا عن فلسطين ومقدساتها يضاف إلى ذلك سودانيو القدس الذين هاجر أجدادهم قديما إلى المدينة المقدسة طلبا للرباط في زمن الدولة العثمانية.
يحكي لنا بعض من عاصر فترة الاحتلال البريطاني للسودان عن تلك مظاهرات ضخمة كانت تخرج في مختلف أنحاء السودان في أيام إعلان الكيان اللقيط في فلسطين عام 1948م وعن حجم الرعب التي سببته تلك المظاهرات للمحتلين البريطانيين وقلقهم من تحول هذه المظاهرات لثورة شعبية تقتلعهم من جذورهم خصوصا أن احتلالهم في أيامه الأخيرة كان يبدو كرجل مريض يوشك على الموت ورغماً عن أنف الاحتلال البريطاني شكل أهل السودان فيلقا من المتطوعين للمشاركة في الحرب يقودهم الضابط زاهر الساداتي المستقيل من قوة دفاع السودان رغبة في نيل شرف الحرب في فلسطين وعن حجم التبرعات التي جمعت للقوة وعن دور مؤتمر الخريجين القوي في تجهيز المقاتلين رغم أنه كان حركة سياسية سلمية لمثقفي السودان.
ووقائع حرب 1948م تشهد أن المتطوعين السودانيين قاتلوا ببسالة شديدة حتى وصفهم اليهود بالوحوش ومعركة بيت دراس في أطراف غزة تشهد فقد كانت هذه المنطقة الاستراتيجية عصية على القوات العربية وهزم فيها الضابط جمال عبد الناصر الذي كان يقود القوات المصرية في تلك المنطقة والتغيير الأكبر كان عندما ظهرت القوات السودانية ودبرت هجوما ليليا خاطفا كسرت فيه شوكة اليهود ولولا خطأ عسكري حول ذلك الانتصار لهزيمة لتغير مسار الحرب وفتح طريق بين غزة والأردن وسبب الانكسار بعد الانتصار هو سوء التنسيق الميداني بين القوات العربية فلم تكن توجد أجهزة اللاسلكي الحديثة وكانوا يعتمدون على الإشارات الضوئية فقصفهم (الجيش المصري) عن طريق الخطأ لأن الجندي الموكل بإطلاق علامة النصر الخضراء أو الهزيمة الحمراء أطلق العلامة الحمراء ما جعل المدفعية المصرية تقصف بعنف شديد مواقع القوات السودانية في بيت دراس وهي تظن أنها تقصف مواقع العصابات اليهودية ما أوقع عدد كبير من الشهداء وسط الجنود السودانيين وأعطى اليهود فرصة للقيام بهجوم مرتد أسفر عن أسر عدد من الجنود السودانيين بينهم قائد القوة السودانية المتطوعة.
ظل السودانيون على موقفهم المبدئي من قضية فلسطين بعد أن نالوا استقلالهم وفي أوائل السنين بعد الاستقلال قام برلمانهم الوطني بإصدار أحد أشد قوانين المقاطعة في العالم وهو قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1958م والذي يجرم بشكل كامل أي تعامل بين أفراد سودانيين والدولة العبرية بشكل مباشر أو غير مباشر ويوقع الغرامة والمصادرة بكل من يتورط بالتجارة معها بأي شيء.
وقد دفع السودان ثمن هذا القانون غاليا فقد قاطعته أغلب الشركات الأمريكية والتي يوجد في مجلس إداراتها يهود كما دفع هذا القانون إسرائيل لتبني كل الحركات الانفصالية في السودان وخصوصا الحركة الانفصالية في جنوب السودان واعتبار السودان خطرا ً كبيرا يتهددها.

وعندما هزم العرب في 1967م خرجت الخرطوم بلاءات ثلاث لا صلح ولا مفاوضات ولا تطبيع وهي اللاءات التي لم تحترمها الدول العربية فصالح بعضهم في 1979م وآخرون في 1995م ودخل البعض الآخر في سلسلة من المفاوضات العبثية من 1993م وتورط البعض في التطبيع السياسي والرياضي والاقتصادي ولكن السودان لم يغير ولم يتغير.
كنت قلقا قبل أزمة القدس الأخيرة على حقيقة موقف السودانيين من القضية الفلسطينية فحجم الإحباط الكبير من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعانيها البلاد منذ 2010 والضغوط الكبيرة للعقوبات الأمريكية دفعت البعض للبحث عن مصباح علاء الدين ومارده لعله يأتي وينتشلنا من المآسي التي نعانيها ولذلك انتشر على الإعلام صوت دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني ولكن والحمد لله كانت موجة وخمدت فقد فجر اعتراف الرئيس الأمريكي بيهودية القدس بركانا من الغضب الشعبي السوداني دفع دعاة التطبيع للاختفاء والصمت عن التصريحات الاستفزازية وأجبر متخذي القرار في الحكومة على التراجع عن مشروع التطبيع الذي كانوا ينوون الوحول والذي كان يمضي على قدم وساق فيه خوفا من غضب الجماهير التي اتحدت في صوت واحد وهي تقول القدس عاصمة فلسطين الأبدية.
أعتقد أن طريقة ترمب في اتخاذ قرار الاعتراف بالقدس يهودية وتسميته مدينة القدس باليهودية واليهودية (دين) ساهمت في هذا الغضب الشعبي فلو أنه قال أن القدس الغربية عاصمة لإسرائيل لما أوقع أذنابه من دعاة التطبيع في كل هذا الحرج الشديد فهم في النهاية يؤيدون حل الدولتين ولا يمكن تطبيق حل الدولتين بدون القدس. أزمة القدس الأخيرة أثبتت بما لا يدع للشك أن السودان لا زال بخير وأنه معافى من مرض التطبيع وأن ظاهرة تأييد التطبيع التي كانت تقلقنا كانت مجرد ظاهرة عابرة وانتهت.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

