الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس هو أحد أبرز الوعود التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية، وبالفعل أوفى ترمب وعده بكل جرأة ودون تردد "مُعلنا القدس عاصمة لإسرائيل"، وهو قرار اتخذه مجلس الشيوخ في عام 1995، ثم عمل الرؤساء الأميركيين على تأجيله عدة مرات، إلى أن فعلها ترمب. لماذا فعلها ترمب دون من سبقوه؟
من المعروف أن الحزب الجمهوري أكثر تشددا للصهاينة وبغضا للعرب وشعوب الشرق الأوسط الإسلامية، وهو أمر يكرره ترمب في أغلب خطابته، لكن الرئيس ترمب بوصف المراقبين هو الأكثر تهورا واندفاعا وهذا السبب يصنف في قائمة الأسباب الذاتية.
أما عن الأسباب الموضوعية "العربية" فهي كثيرة وذروة سنامها المُضي قُدما في صفقة القرن برعاية "سعودية مصرية" والشواهد كثيرة على ذلك، لكن أكثر العلامات الفارقة في التسريبات القائمة حول ملف القدس هي مقترح محمد بن سلمان بأن تكون بلدة أبوديس هي العاصمة للدولة الفلسطينية بحسب صحيفة نيويورك تايمز، الرابط المهم بين هذا التسريب وإعلان ترمب القدس عاصمة لدولة الاحتلال هو التوقيت، بحيث كانت وظيفة الخبر الأول تمهيد الطريق لخطاب ترمب وشطب القدس من أذهان الفلسطينيين وتحضيرهم نفسيا لهذا المقترح الذي يحظى بوفاق "سعودي، أميركي، إسرائيلي".
وفي الأسباب المنطقية الخاصة بالقيادة الفلسطينية، فإن حالة الترهل في الآداء السياسي وخفض سقف المطالب -هذا إن وُجِدَ سقف أساسا- المتدرج نحو الحضيض هو أمر كافٍ لاستفراد الصهيوأميركية بالقدس، فكيف سيكون الأمر إن خرج تصريح من قائد فلسطيني كبير يؤكد على قدسية ويهودية الحائط الغربي للمسجد الأقصى "حائط البراق" وهو ما نطق به جبريل الرجوب صاحب المناصب المتعددة في السلطة وفتح بأنه يعترف بحق اليهود في الصلاة بحائط "المبكى" بحسب التسمية العبرية، فما الذي سننتظره بعد هذا الموقف؟!
اعتبر الفلسطينيون خطاب الرئيس عباس مخيبا للآمال خاليا من أي موقف واضح تجاه قرار ترمب، إذ كان خطابا تقليديا للرئيس عباس يستجدي به السلام داعيا للوحدة الفلسطينية وهما ركيزتان لكافة خطب عباس، أما عن حقيقة الموقف الشعبي الفلسطيني فهو يتناغم مع مطالب فصائل العمل العسكري الفلسطيني حيث طالبت منظمة التحرير بسحب الاعتراف بدولة الاحتلال وقطع العلاقات معها وهو المطلب المعهود عند كل خيبة تلحق بالفلسطينيين، وعبر الشاعر تميم البرغوثي قائلا "أشعر بالخجل من موقف القيادة الفلسطينية الرسمية".
معنى الخروج من عملية السلام أو محاولة التملص منها، هو بكل تأكيد إنهاء لعدد من قادة الصف الاول، وذلك على النحو الذي جرى سابقا مع عرفات فيختصر القصة إدوارد سعيد ويقول "عرفات ورط شعبه بمصيدة لا مخرج منها"، وأنه ألقى بنفسه بين الإسرائيليين والأميركيين. كما أن عرفات نفسه أدرك بعد بضع سنين عبثية مسار التسوية، فدعم انتفاضة الأقصى، وكان مصيره الحصار والاغتيال. أضف لذلك الثلة السياسية ورجال الاعمال الذين ربطوا تجارتهم بوجود السلطة وبقاء الحال على ما هو عليه فهم جماعة ضغط فاعلة في القرار الفلسطيني.
لا يختلف اثنين على عبثية التسوية والسلام ونتائجهما الكارثية المتفاقمة، ولعل أحد أبرز الحلول التي نملكها شعبيا "العصيان المدني الشامل" دون رجعة مهما كلف ذلك من ثمن وهنا نستشهد على فاعليته بالإضراب الكبير عام 1936. وعلى المستوى القيادي فلتتراجع العلاقات مع الاحتلال ولتدفن كافة الاتفاقيات التي أورثتنا الذل والهوان حتى وإن كان الثمن هو الرئيس بنفسه، فلماذا لا يُضحي الرئيس عباس بنفسه شهيدا للقدس أسوة بعرفات وأبناء شعبه، لاسيما مع تصريح الناطق باسم فتح أن كافة القيادات مشاريع شهادة لأجل القدس في مقدمتها الرئيس عباس، فالقدس فوق كل الاعتبارات دون استثناء دونها الأرواح والمُهج والأنفس والأموال، فلا معنى للوجود إن ضاعت، وهذا ما يجب أن يكون من القيادة الفلسطينية.
لسان حال السلطة لا يُبشر بأي موقفٍ مشرف أو أي تصعيد مع الاحتلال، وبهذا يكون عباس قبل ضمنيا بـِ "مقترح ابن سلمان" الذي يعتبر فلسطين "هامش ولا معنى لأن نقول أن فيها المسجد الأقصى"، القوة أعمت أبصارهم عن دروس التاريخ، ولست أدري كيف يقبل الفلسطينيون بهذا الهوان فالقيادة الفلسطينية أمامها خيارين لا ثالث لهما: أن يقدم الرئيس الفلسطيني عباس استقالته ليحمي نفسه. والانسحاب من الاتفاقيات وسحب الاعتراف بدولة الاحتلال والاستعداد للمواجهة، وهذه فرصة ذهبية لا تعوض للتخلص من وزر أوسلو وتبعاته وكما يقول المثل الفلسطيني "أجت والله جابها".
وإن لم يكن الأمر كذلك فالكُرة تتدحرج للصدام بين عباس والشعب الذي يقول "زاد الحد وطفح الكيل". ستبقى فلسطين وعاصمتها القدس، وكوشنير ووالد زوجته ونتنياهو وشريكه في السلام عباس ومن لف لفيفهم كلهم سيزولون ثم نجعلهم عبرة ككل من احتلنا.