شعار قسم مدونات

للقدس.. لم نكن جبناء

مدونات - مصر مع القدس

قبل أيام قليلة طلّ علينا الرئيس الأميركي بـقرار جديد يقضي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس الشريف، واحتلّ الغضب الصدور العربية، لكنه وعلى غير السابق لم يكن الغضب وحده دائراً بين القلوب فقد كان الارتباك حاضراً كمظلّة لكل شعور حي تجاه القضية المقدسية، واشتعل الحديث مجدداً حول جدوى التظاهرات والفعاليات ونداءات الاستغاثة وحتى مشاعر الرفض المنثورة في طيّات "بروفايلات فيسبوك وتويتر"؛ وهذا جديد على القضية الفلسطينية والمقدسية بشكل خاص، حيث كان الانغماس في فعالياتها بالتنظيم أو المشاركة أمراً بديهياً لا يحتاج إلى كثير من التفكير، إذاً، ماذا حدث، لماذا صار علينا التورّط في كل هذه النقاشات من أجل إثبات ما كان سابقاً معلوم من الواقع بالضرورة! بقولٍ آخر، هل خذلنا القضية التي كنا نؤمن بها كل تلك السنوات الماضية من عمرنا؟

 
نعود إذا إلى البداية، نحن جيل نشأ وعيه على صور محمد الدرة المغدور في حضن أبيه، ومن بعدها انتفاضة الأقصى الثانية، اتقدّ حماسنا مع تصريحات الشيخ أحمد ياسين وقصص يحيى عياش وبطولات الرنتيسي، عشنا صفاء المقاومة ونقاء صور الشهادة، حيث للسلاح اتجاه واحد، وعدو وحيد. ارتبطنا بـحزب الله حين كانت بندقيته مصوّبة نحو رأس إسرائيل، احتفينا بخروج سمير القنطار، وابتهجنا بصفقة شاليط، وعشنا انتصارات محدودة في حروب غزة الثلاث، حتى محور الممانعة الذي انقلب سلاحه علينا، كان له موقع في الوجدان العربي العام لـخطابه المعادي لإسرائيل.

 
هذه كانت نشأتنا التاريخية، واقعٌ معاش كانت القضية الفلسطينية ساحة المعركة الوحيدة فيه، عاصرنا تطورها من حجارة لا تملك من راميها سوى المحاولة إلى صواريخ تهدد أمن مواطني "دولة إسرائيل".

 
undefined
   

ثم فاجأتنا لحظة تاريخية بديعة، انفتحت فيها ميادين بعض العواصم العربية لثورة تحمل على أكتافها أحلام جيل كامل بالحرية والكرامة، وانتقلت الجموع نفسها التي كانت تهتف للقدس إلى هِتاف عالٍ يطالب بالتحرر من قيود الاستبداد، ولا أظن أن أحداً ممن كان في الميادين العربية يدافع عن حرية بلاده لم يحمل في مخيلته صورة أخرى للتحرر الفلسطيني، كنا نحمل هذه الصورة في خيالنا البعيد ونحن نهتف في شوارع القاهرة وميادينها، نعم، لم يكن الأمر سهلاً ولا بسذاجة من يظن أن أبواب بيت المقدس بانتظاره ليأتيها محررا، لكن أيضاً كان هناك اليقين بأن تحرير الإرادة الوطنية سيتبعه بالضرورة واقع أفضل للقضية الفلسطينية برمتها.

 
هكذا مضت الأمور، حبل موصول بين الحواضر العربية جميعها وواسطة العِقد فيه كانت القضية الفلسطينية، كان كل حضور في ميدان الثورة جواب اعتذار عن خذلان سابق أو عجز عن المناصرة بأكثر من تظاهرة ومقاطعة. لم تكد تسرقنا نشوة الحلم حتى وجدنا أنفسنا في مواجهة هزيمة ثقيلة، لم يعد السلاح -ومنه سلاح ما كنت تظنه مقاومة- يوّجه لعدوك اللدود، بل صار ينفذ إلى رأسك وقلبك مباشرة، بقصد القتل والتنكيل، وربما العقاب على حلم مبتور لم نتوقع كُلفته.

 
عرفنا خصماً "ألعن من اليهود" كما وصفته صديقتي عندما أخذت تهرب في شوارع رمسيس يوم السادس عشر من أغسطس، تتفادى خطر الموت بالرصاص الميري، ورعب الاعتقال تحت سطوته، حينها وهي تحكي مرارة ذلك اليوم لم يكن وصفها مجازياً، أبداً، أضحى مفهوما ماذا يعني أن تواجه خصما لا يحتكم إلى أي قواعد إنسانية، كره وإجرام غير مبررين. من هنا، من تلك اللحظة التي خضنا فيها معركة غير عادلة لا ترتكن فيها إلى حق ديني واضح، ولا دعم سياسي -وإن كان صورياً- من العالم حولك، من هنا عرفنا معنى أن تواجه من هم "ألعن من اليهود".

 

نعرف تماماً أنّ كل صوت في شارع أو حرم جامعي هو إيذان بأن القضية الفلسطينية لا زالت حاضرة في وجداننا، وأنّ كل تعبير عن الرفض هو تثبيت لأرض القضية ومنع لـتطبيع شعبي أوسع
نعرف تماماً أنّ كل صوت في شارع أو حرم جامعي هو إيذان بأن القضية الفلسطينية لا زالت حاضرة في وجداننا، وأنّ كل تعبير عن الرفض هو تثبيت لأرض القضية ومنع لـتطبيع شعبي أوسع
 

لذا، وحين جاء قرار ترمب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، فيما يعنى قولاً بأن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، كان السؤال المؤرق، أتتفاعل مع قضيتك القديمة بكل حواسك كما كنت تفعل سابقا، حينما كانت فلسطين ساحة المواجهة الوحيدة، أم ترتكن إلى خيباتك المتتالية في السنوات الأخيرة بعد أن فقد الحماس معناه، وتحوّلنا إلى "مشاهد ملول" لم تعد مشاهد الغضب السائر في الشوارع والهتافات الرنانة في أرجائها تثير حماسته، فهو بشكل أو بآخر أصبح يعرف مآلاتها جميعاً، أو ربما يخاف من تورّط آخر معها فيعود بخفيّ حنين كما تعود في أعوامه الماضية.

 
لم يكن جُبناً أو خذلان، ولم يكن عجزا حتى، لكنه صورة من صور ما أصبح عليه الحال، خوف من كل اشتباك مع الواقع وتفاعل إنساني معه، خوف متوارٍ خلف سؤال جدوى التظاهرات ونفع المقاطعة ونتائج الرفض والغضب، نعرف تماماً أنّ كل صوت في شارع أو حرم جامعي هو إيذان بأن القضية لا زالت حاضرة في وجداننا، وأنّ كل تعبير عن الرفض هو تثبيت لأرض القضية ومنع لـتطبيع شعبي أوسع، نعرف ذلك وندركه، ولا نتخاذل عنه بقدر الفزع من الدخول في شبائك أمل جديد أو التململ من إعادة صور الرفض التي كنا قد ظننا أننا تجاوزها لمساحات فعل وتأثير أرحب وأوسع خلال سنوات قليلة سابقة.

 
لقد وضعتنا قضية بيت المقدس -قضيتنا القديمة المتجددة- أمام حقيقة أننا أصبحنا مرتبكين إزاء أي باب قد يفتح أسئلة الهزيمة مرّة أخرى، وماذا فعل بنا الربيع العربي وماذا فعلنا به، وسؤال أخير أهم حول أمد هذا الخريف القاسي؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.