شعار قسم مدونات

جسد يبحث عن رأس

Blogs- society

لا شك أن شيوع التخلف وغياب الرؤية التنموية في عالم المسلمين سببه الأساس أننا اليوم لسنا في مستوى إسلامنا بالنسبة للذات، ولسنا بمستوى عصرنا بالنسبة للآخر، وأعتقد أن الأمرين متلازمين إلى حد بعيد.

  

تكاد تجمع الأوساط الفلسطينية منذ اندلاع الثورة الفلسطينية أن قضية فلسطين هي بنت التخلف العربي وانعكاس له. بمعنى أنه لوكان للعرب حضور في التاريخ، ما كان من الممكن أن يتم احتلال كامل الوطن العربي من قبل الحلفاء واقتسامه وتوطين اليهود فيه. وهناك عقليات تعمل على تكريس التخلف والعجز، لأنهم يعيشون وهم الفهم والإدراك لكل شيء، وما ندري كيف يتفق هذا الفهم وهذا الفقه وهذه العبقريات العظيمة مع واقع التخلف والتراجع الحضاري الذي لا يتوقف في حياة الأمة. 

 

إن أمة الإسلام الممتدة على مساحة جغرافية تقدر ب (32مليون كم مربع ) ويزيد عدد سكانها عن المليار والنصف إنسان، هذه الأمة العظيمة ذات الجسد الضخم، نعم هو كذلك ولكنه (بلا رأس) يدير هذا الجسد الكبير، ولذلك حدث لهذا الجسد ترهّل، وصارت كل عوامل قوته يستفيد منها العدو الغربي والشرقي، ولأن الرأس غائب فإن الجسد الضخم صار يأكل بعضه بعضاً دون أن يدرك -لأنه بلا رأس- أن انهيار جزء منه هي بداية انهيار لباقي كيانه، وأن العدو الذي يساعده اليوم بعضا من بني جلدتنا وديننا للقضاء على جزء منه، سيلتهم الجزء المتبقي منه غداً.

 
ولأن الرأس الجامع لهذه الأمة غائب فقد ظهرت (رؤوس) كثيرة هنا وهناك تدّعي أنها تمثل هذا الجسد الكبير، ولكنها سببت لهذا الجسد نكسات ونكبات، وأعادته إلى الوراء عشرات السنوات، هذه الرؤوس الطائفية المتطرفة المتشددة الحاقدة في جميع الأطراف المتصارعة أحدثت في هذا الجسد العظيم جروح وتشققات نَفَذَ منها العدو وبدأ ينفِّذُ مخططاته، وهي تساعده بغبائها وحماقتها، وبقية الجسد يئنُّ ويتوجَّع ويشكو، ويحاول المقاومة والاستمرار في الحياة، رغم الآلام التي يعانيها.

 

التخلف الحضاري، يفكك الروح الجماعية، ويقتل روح المبادرة، حيث ينتظر كل واحد من الناس غيره، ليكون البادئ
التخلف الحضاري، يفكك الروح الجماعية، ويقتل روح المبادرة، حيث ينتظر كل واحد من الناس غيره، ليكون البادئ
 

وأنا هنا لا أعني (بالرأس) فرداً أو جماعة أو طائفة أو دولة، إنما أعني بذلك: الرأس الذي يمثّل الأمة العظيمة بكل مكوناتها، وباتساع رقعتها، وتنوع ثقافاتها، هذا الرأس الذي يفكر للأمة بكاملها ويخطط للأمة بأجمعها، ويقود الأمة بكل أطيافها إلى النصر والعزة والتمكين. هذا الرأس هو المعتمد عليه في جمع كلمة الأمة وجعل جميع مصادرها الغنية (أرضاً وإنساناً) عامل قوة لها ورادع لأعدائها. إن الأمم التي تقود الحضارة اليوم، قد بلغت في التنوع المدى الأقصى، وكأن التنوع ثمرة مباشرة للتقدم الحضاري، أو هو بعض مظاهره.

  

أما في البلاد التي تشكو من التخلف وبطء حركات التغيير، فإن الأمر يكاد يكون معكوسا، حيث تجد الكثير من الأطر التي توحد الناس إلى حد التطابق، لكن تلك الأطر فارغة من معاني التجديد والحركة والتنوع، وحس الناس في الغالب منصرف إلى التطابق الشكلي والتوحد الظاهري، أما المضامين فإنها تتغير على غير هدى، ومن غير توجيه صحيح، أي يخسرون من وحدة المضمون على مقدار ما يربحون من وحدة الشكل، لأن التخلف الحضاري، يفكك الروح الجماعية، ويقتل روح المبادرة، حيث ينتظر كل واحد من الناس غيره، ليكون البادئ.

 
إن أوضاع التخلف تدفع الناس إلى تماثل فكري عجيب لكنه سيء جدا، على حين أن أحوال النهوض تحفز العقول على التنوع في الطرح، والتعددية في الرؤية والاختلاف في التحليل، وهذا شأن العقل البشري حين يمارس الاجتهاد. ولذا فإن على نُخب هذه الأمة من مفكرين ومثقفين وأكاديميين وقادة وعلماء، عليهم التفكير بكل صدق وإخلاص في كيفية إيجاد هذا (الرأس) الجامع المانع الذي به -بعد الله- تنتصر هذه الأمة ويعلو شأنها، وفي غيابه تزداد محنة الجسد ويزداد ترهله.