شعار قسم مدونات

لم نكفر ولكن..

Blogs- quraan book

إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم. رحم الله المفكّر الإسلامي محمد الغزالي حين عبّر عن سبب الفجوة النفسية والفتور في العلاقة بين الإنسان والدين بكلمات بسيطة تختصر مشهد الأمس واليوم، الفجوة التي تنتج في كثير من الأحيان عن أزمة التناقض ما بين المفاهيم الدينية والفكرية التي يتناقلها ويتظاهر بها المتدينون والتطبيق العملي لتلك المفاهيم على أرض الواقع.

  
ليس هدفي في هذا النص أن أبرر فعل الكفر أو أن أُحمّل الدين نفسه وزر من كفر به لنقص فيه والعياذ بالله، إنما هدفي هو التنقيب عن جذور تلك الأزمة المتزايدة، وتفسير حالة الصدمة النفسية لدى الكثير من الشباب المعاصر والمنفتح، لا سيّما الحساس منه والمثقف والناقد لمظاهر التراجع الحضاري في العالم العربي الإسلامي، وتعثر نماذجه الدعوية والسياسية، وغياب المرجعية والقدوة المقبولة والخلاّقة، وتنامي المجتمعات الملتزمة المريضة، بعاداتها وتقاليدها وتعاليمها وطرائق تفكيرها.
   
فحالة الصدمة المستمرة تلك كان لها أثر واضح في تكوين شخصية الشباب المتمرد بشكل من الأشكال على بعض المبادئ والقيم المنبثقة عن الدين، والتي ميّعها الدعاة والمتدينون وأفقدوها بهرجها بسبب كثرة الحديث عنها والتوصية بها على المنابر وشاشات التلفزة وصفحات التواصل الاجتماعي، والعمل بخلافها ونسيانها تماماً في السلوكيات مع الأهل والأقرباء والجيران والزملاء والناس عامة. فأصبحت المقدرة على تطبيق تلك المبادئ والقيم بنظر الشباب المعاصر مرتبة من مراتب الرسل أو كرامة من كرامات الأنبياء التي يستحيل الوصول إليها.
   

التراجع الحضاري والثقافي في العالم العربي الإسلامي
يعتبر التراجع الحضاري والثقافي في العالم العربي الإسلامي أحد أهم أسباب الصدمة النفسية لدى الشباب المعاصر وشعورهم بالحرج من الانتماء إلى حضارة تراجعت ودخلت في سبات عميق، فابن سينا والخوارزمي والكندي وابن فرناس وابن خلدون جميعهم ماتوا ولا وارث لهم.

  

يسلّم الشباب المعاصر أمره إلى الله في مسألة تراجعه الحضاري، ويبني آماله في كلّ مرة على النماذج الإسلامية الدعوية والسياسية، علّه يشد أزره بها وتكون طريقه نحو بوابة الحضارة من جديد
يسلّم الشباب المعاصر أمره إلى الله في مسألة تراجعه الحضاري، ويبني آماله في كلّ مرة على النماذج الإسلامية الدعوية والسياسية، علّه يشد أزره بها وتكون طريقه نحو بوابة الحضارة من جديد
 

وفي الوقت الذي يرى فيه الشباب الصاعد كيف يزداد العالم الخارجي انفتاحاً وتطوراً في نظمه الاقتصادية والمعيشية والثقافية، بينما يزداد العالم العربي الإسلامي انغلاقاً وتخلفاً عن ركب ذلك التطور، وكيف يعزز العالم الخارجي إنجازاته في المجالات العلمية والتقنية والتكنولوجية، بينما يعزز العالم العربي الإسلامي إنجازاته في تقييد الإبداع وطمس الأفكار وتهجير الأدمغة. وكيف يناقش العالم الخارجي آلية زراعة الدماغ وقراءة العقول بشكل علمي، بينما لا يزال العالم الإسلامي يناقش مسألة الاحتفال بالمولد النبوي في كل عام، وكيف يفتخر العالم الخارجي بإنجازاته الحضارية في كل عام، ويعرض خططه الحضارية للسنوات الثلاثين القادمة، بينما لا يزال العالم الإسلامي يتحدث بفخر عن إنجازاته التاريخية في القرون الخالية، يزداد الأسى في قلب الشباب ويبرد تعلقه في تلك الحضارة وتكبر الهوة بينه وبين عالمه الأصلي.
 

تعثّر النماذج الإسلامية
يسلّم الشباب المعاصر أمره إلى الله في مسألة تراجعه الحضاري، ويبني آماله في كلّ مرة على النماذج الإسلامية الدعوية والسياسية، علّه يشد أزره بها وتكون طريقه نحو بوابة الحضارة من جديد، فيصطدم رأسه بتلك البوابة أيضاً، لقصرها وضيقها، بل ولتحولها إلى نوافذ متعددة يطل كل منها على درب مسدود وأفق معدوم. فالحركات المعاصرة التي مثلت تلك النماذج الإسلامية ما لبثت إلا قليلاً حتى ذابت وأكلت بعضها لاختلافها فيما بينها، وانقسامها على أساس طائفي أو مذهبي أو أيدولوجي، أو بسبب تكريسها للأزمات المتنوعة كأزمة السطحية في التفكير والعاطفية اللامسؤولة في الخطاب، وأزمة التعاطي مع الفراغ، وأزمة تناسي الأزمات والتعايش معها، أو بسبب تحولها إلى مؤسسات ربحية خاصة وأوقاف عائلية متوارثة، تتوارث المال والمنصب لا الفكر والرسالة.

 

باتت المجتمعات الملتزمة أحد أهم عناصر التنفير ومصادر الاشمئزاز لمن فيها ولمن حولها من الشباب الحساس والمثقف والمعتدل في التزامه
باتت المجتمعات الملتزمة أحد أهم عناصر التنفير ومصادر الاشمئزاز لمن فيها ولمن حولها من الشباب الحساس والمثقف والمعتدل في التزامه
 

غياب المرجعية والقدوة المقبولة والخلاّقة

وهنا بيت القصيد، والضربة التي تقسم ظهر الشباب منذ عقود. فبالرغم من وجود العشرات من المجالس المحلية والإقليمية والعالمية للعلماء المسلمين، مع كافة محبتنا وإجلالنا لهم، إلا أن الشباب المعاصر يعيش حالة يرثى لها من اليتم الجماعي. فيتيم العصر الحديث هو يتيم المرجعية الفاعلة، والقدوة المحبوبة والموثوقة، لا يتيم الأب أو الأم. هو يتيم المرجعية السياسية القوية والمؤثرة فيما حولها، يتيم القدوة الدينية والفكرية المستوعبة لخصائص العصر الحديث، القدوة التي تستوعب الشباب وتستثمر طاقاته وتوجهها، وتجيب على تساؤلاته المنطقية وشكوكه الطبيعية وتتقبلها، وتوقف نزفه وتجبر كسره وتهتم لأمره وتعيد الثقة إليه وتزرعها. القدوة الصادقة مع نفسها ومن حولها، القدوة التي تعترف بتقصيرها وتقصير وخيانة الكثير ممن قبلها، لا القدوة المتتلمذة في معاهد الرؤساء وقصور السلاطين، أو على أيدي أساتذة التبرير، أو المتحججة بإجراءات التضييق والملاحقة والاعتقال، فالحجج تلك باتت واهية، لأن أرض الله واسعة، ونجاشي كل عصر موجود، والتكنولوجيا الحديثة غزت كل منزل.

 

تنامي المجتمعات الملتزمة "المريضة"
باتت المجتمعات الملتزمة عُجباً أو تزمتاً أو تخيّلاً حد المرض غريبة الأطوار عجيبة العادات والتقاليد، وصارت أحد أهم عناصر التنفير ومصادر الاشمئزاز لمن فيها ولمن حولها من الشباب الحساس والمثقف والمعتدل في التزامه، بالذات تلك المجتمعات المنغلقة على نفسها والتي لم ترى من العالم الكبير إلا القرية أو المدينة التي عاشت بها، والتي لم تطّلع على ثقافة أخرى غير ثقافتها، ولم تقرأ في كتاب غير كتابها، والتي تظن نفسها أنها الأصوب والأوحد في التزامها وقربها من الله. والكثير من تلك المجتمعات الملتزمة على كثرة مشاربها وتنوعها تعاني الكثير من الأزمات الاجتماعية، ليس لأنها ملتزمة أكثر من غيرها، بل لأن التزامها أجوف ومريض، فعصر العولمة والانفتاح غربل التزامها بطريقة أو بأخرى، فخرج من صُلب تلك المجتمعات من يقول لا لهذا الالتزام، والشواهد من حولنا كثيرة.

 
باختصار، أقول أن الشباب المعاصر لم يكفر، ولكن إن كان انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم، فمن المسؤول عن تصحيح المسار وتحبيب الله إلى خلقه واستقطاب الشباب من جديد؟