لا أعتَقِد أنّ قرار نقل السّفارة الأمريكيّة إلى القدس أمرٌ مستغرب ومُستهجَن مِن الإدارة الأمريكيّة، فالمُتتبع لسياسة الولايات المُتحدة يدرك انحيازها الدائِم والكامِل لإسرائيل طوال فترة الصّراع، وحتّى اللّحظة هذه، وصفقة القرن التي دار الحَديث عنها أواخر نوفمبر الماضي ما هي إلّا مقترحات إسرائيليّة طرحت أوائِل السبعينات من قِبل أيلون، وتبلورت بعدَ ذلك على يد الجنرال الإسرائيلي غيورا آيلاند. ناهيكَ عن الأهداف الأمريكيّة الداخليّة وراء مثل هذا القرار، لهذا لا أرى أنّه حدثٌ جلل يحتاجُ كلّ هذه الضّجة الإعلاميّة؛ لأنّ نقل السّفارة ما هو إلّا تتويج للممارسات الإسرائيليّة في تهويد القُدس، وإشغال العَرب بأنفسهم، وإغراق الفلسطيني بلقمة العيش.
كل هذه الإرهاصات تشيل اللّثام عن الحَل القادِم للصراع، والتّحول مِن إدارته إلى إنهائِه، وفق رؤية الحل الإقليمي، بعد أن قضت إسرائيل على أيّ فرصة لتطبيق حل الدّولتين، فوفقًا لأستاذ العلوم السّياسية في جامعة بنسلفانيا الأمريكية إيان لوستيك فإنّ احتِمال اختِفاء إسرائيل إثر حرب طاحِنة، أو إعياء ثقافي، أو تغيّرات ديمغرافية يبدو معقولًا أكثر من احتمال قيام إسرائيل بإخلاء نِصف مليون مستوطِن يعيشون الآن وراء حُدود عام 1967؛ لإتاحة قيام دَولة فلسطينية، وتنفيذ حَلّ الدّولتين.
| عَن أيّ حقٍ تاريخيّ تتحدث إسرائيل والولايات المُتّحدة؟ وأي تَناقض هذا الذي تطرحه الآن بما يُسمى صفقة القَرن؟ وماذا سَتعني لنا الوَطنيّة بعد هذا؟ |
إنّ قرارَ ترمب الأخير، ومن قبله الكَثير من القرارات العالميّة والأممية كبلفور، و181، تثير جدلًا فلسفيًا واسعًا في كيفيّة ادّاع امتلاك وإعطاء الأرض، وهذه مسألة مهمّة جدًا؛ لأنّ مزاعِم الحركة الصّهيونيّة تقوم على أنّ اليهود سَكَنوا هذه الأرض في يوم مِن الأيام، وهذا ما أعطاهم الحَق في تملّكها، والعودَة إليها، تحت غطاءات عدّة أبرزها الحَق التاريخي والديني. وهذا غير معقول منطقيًا، فامتلاك شعب أو عرق أرضًا في فترة زمنيّة معيّنة لا يعطيه حق الملكيّة التاريخيّة لهذه الأرض؛ لأنّ الملكية لم تنتقل من الخالق أو الصانِع إلى المستحوذ أو المُستغل لهذه الأرض، فهو لم يَصنع الأرض، ولم يخترعها، ولم تنتقل إليه بموجب أيّ شيء، لهذا أعتقد تمامًا أنه لا يُوجد إنسان على اختلاف أعراقِه، وألوانه، وأصولِه يملك أرضًا مخصوصة، وبالتالي لا أرضَ تنتمي لعرقٍ إنسانيّ مُحدّد.
وهنا أقصدُ الحقّ التاريخيّ، وليس التّملك القانوني الذي ابتكره الإنسان فيما بَعد لينظم أشكال الملكيّة المُختلفة، ولو أردنا جدلًا افتِراض أنّ من يستحوذ على الأرض يتملّكها، ويعود إليها لو بعدَ آلاف السّنين، فإنّه يتحتّم علينا إعادة كل عرق إلى أرضِه الأولى، والنّظر في تداخل الأعراق، وتزاوجها، وتخالطها، ناهيك عن الاحتلالات التي حدثت عبر التاريخ والتي أدّت إلى اختلاط الشّعوب والأعراق، وهذا سيقود إلى حرب عالميّة شامِلة دونَ نتيجة تُذكر، سوى بعض النّتائج المؤكّدة كأحقيّة الهنود الحُمر بأرض الولايات المُتّحدة الأمريكيّة !
في ضوءِ ما سبق عليّ أنْ أسأل عَن أيّ حقٍ تاريخيّ تتحدث إسرائيل والولايات المُتّحدة؟ وأي تَناقض هذا الذي تطرحه الآن بما يُسمى صفقة القَرن؟ وماذا سَتعني لنا الوَطنيّة بعد هذا؟ كأن ننتمي إلى 720 كـم من سيناء، أو ينتمي المصري إلى النّقب، وهل يُمكن اعتبار الوطنيّة نوعًا مِن أنواع العنصرية القائِمة والمُبررة والتي يمكن أن تَختفي وفقًا للأهواء والمَصالح؟ أم أننا نُضفي وطنيتنا على العنصريّة فتصبح انتماءً؟ وكيفَ يمكننا كعرب أن نَحمِل كلّ هذا التّناقُض في مشاعِرنا، وفي تَفكيرنا العاطِفي جدًا، وفي وطنيّتنا الغريبة التي تحضُر وتغيب، والتي تتحوّل من السودان إلى جنوبه، ومن عكّا، إلى حُدود الرابع مِن حزيران، أو حتّى نبيع وطنيّتنا كصنافير مثلًا، ربما ننتَمي آنيًا للأرض، وربما تنتمي أعراقُ الأرضِ لوطنِنا.
نهاية رُبما عَلينا الخروج لوهلة مِن سديم الكون الدائريّ المحيط بهوّة تَفكيرنا الموجه والمُسيَّر نحو نقطة واحِدة، والمُمتد من اللامَكان أو اللاحَقيقة غالبًا، إلى فضاءات العَقل، وفردوسِ الحكمة، في نقاشِنا المُتكرر للقضايا السّياسيّة ذات الأهميّة. فقد قيل: "التّنوير شَرط للتَّثوير، والتّثوير بِلا تنوير مُجرد تغيّر اجتِماعي، أو انقِلاب في الأوضاع تُحدثه السلطة القائِمة في المُجتمع، ويتغيّر بِتغيّر السّلطة، فهو تَغير اجتماعي يَقوم على أساس مُتخلّف، ولا بَقاء له إلا ببقاء السلطة الضامِنة له، وبالتالي يَظل خارِجيًا، ولا يُحدث تأثيرًا فعليًا إذا لَم يخلقه وعي، ولم يخلق هوَ وَعيًا. "
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

