حين تبلغ الأربعين عليك أن تكون فرحًا.. فثمة كثيرون لم يبلغوا العاشرة.. ولكن أفراحنا جريحة دائما.. فكل من نجا فقد الكثيرين.. وهو لا يعرف هل نجا بفضلهم أم بقوة روحه.. أم بهما معًا. هذا حين نتعامل مع الأفراد، أما حينما نتعامل مع أناس يحملون مشروعًا يسعى لتوسيع أفقنا المحاصَر بالموت، وحياتنا المحاصرة بالقيود، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، فالخسارات التي يصابون بها، ليست الخسارات الفردية وحدها، بل الخسارات العامة التي تمسّ مشروعهم الفني الإنساني في الصميم، ومن هذه الفئة "فرقة بلدنا"، التي احتفت الأسبوع الماضي، بعيد ميلادها الأربعين في حفل فني كبير بعمّان.
كيف يمكن للإنسان أن يظل على قيد الأمل أربعين عامًا، وهو يرى الخسائر تتراكم فوق روحه، والشموع التي كلما أضاءت غنى لها، وكلما انطفأت ذهب لإيقادها بالأغنية من جديد، ليستعيد البشر ذاكرتهم إذ يفتقدون الشمعة، الافتقاد الذي يدفعهم لتبديد الظلام ثانية. في فرقة بلدنا، هذه الفرقة الذي ظهرت في النصف الثاني من السبعينيات، وأتيح لي أن أكتب لها عشرات الأغنيات، شيء ما من سيزيف مع صخرته، التي كلما أصبح على وشك إيصالها للقمة تدحرجت من جديد إلى قاع الجبل. ليست فرقة بلدنا وحدها التي عانت من هذا، هناك فرق كثيرة عانت، بعضها واصلَ، وبعضها تعب واستسلم بعد محاولات أولى، ولا مَلامَةَ، لأن الجراح التي سببتها الهزائم المتتالية ليست أقلّ ثقلا على قلوب البشر من صخرة سيزيف.
ليس سهلا أن تظل على قيد الأمل، كفرقة بلدنا، والفنان كمال خليل الذي ما كان للفرقة أن تستمر إلا بوجوده، ملحنًا ومغنيًا، فقد عملت الفرقة في أقسى الظروف، ولكنها شكلت أهم ظاهرة فنية سياسية في الأردن خلال فترة الأحكام العرفية، وكانت المؤثر الأكبر في تعزيز وعي الناس بقيم الحرية والجمال، في زمن كانت فيه الأحزاب محظورة، ومُطارَدة. وحين كانت الفرقة تستطيع أن تجمع جمهورا يفوق عدده الألفين، لم يكن أي تيار سياسي قادر على جمع جزء من هذا العدد في قاعة. ولكن الفرقة التي كانت تحققّ هذا الحضور اللافت، في حجمه وتأثيره، كانت مطاردة بمنع أمسياتها، ومنع أفرادها من السفر والعمل، وصولا إلى زجّهم في السجن، كما حدث لرئيس الفرقة.

رغم ذلك لم تُرفع أي راية بيضاء، فقد كانت الأغاني تُكتب وتُهّربُ كلماتُها، وتُلحّن في داخل السجن، ويسمعها أحد أعضاء الفرقة، ويعود، فيتمّ تسجيلها. هكذا ظلّ أثر الفرقة يتّسع ويمتد، ويتجاوز تأثيره جدران القاعة، ليصل إلى الناس في كل مكان.
| من الجميل دائما أن لا يكون الاستسلام كلمة في قاموس الضحايا، لأن في ذلك معضلة الجلاد، حين تقول له الضحية: أنا لا أستطيع أن أموت، لا على هواك ولا على هوى هذا الظلام العربي |
ذات يوم، في عرس واحد من أخوتي، كانت أمي وأخواتي يُغنّين في العرس واحدة من أغنيات الفرقة التي كتبتها، دون أن يعرفن كاتبها، لأن الفرقة أصبحت فعلا، جزءًا من تراث شعبي ينمو، ويجيب على أسئلة جديدة تؤرق أرواح الناس، كأنها ولدت للتوّ في لحظات عرسهم. طوال أربعين عاما، تجددت فرقة بلدنا، كما يتجدد النهر، دخلها أفراد، وخرج منها أفراد، ورحل عنها أفراد، في عزّ شبابهم، لم يُتِح لهم الموتُ فرصة مواصلة الغناء، لكن هناك من أكملوا الغناء واستمروا، رغم كل شيء.
ها هي فرقة بلدنا في الأربعين، الفرقة التي التقيت بها وهي في الثانية من عمرها! وعايشتُ نقطة تحوّلها، من فرقة أنشأها الفنان وضاح زقطان، لتغني للأطفال، بصورة أساسية، وبعد رحيله إلى بيروت، في زمن البنادق، حسب قول غسان كنفاني، جاء كمال خليل، لتبدأ الفرقة بتوسيع مجال إبداعها، نحو الأغنية الوطنية بشكل عام.
ولعل أجمل ما شهده حفل نهايات الأسبوع الماضي، أن الذين يعرفون الأغاني لم ينسوها، ولم يملّوا سماعها، والذين سمعوها للمرة الأولى، أحسوها بأنها أغنيات جديدة تولد الآن. لقد اختُبِرَت أغاني بلدنا أربعين عامًا بالزمن، وأثبتت أنها قادرة على أن تظلّ على قيد الحياة، شابة في مقتبل عمرها، وهي في الأربعين.
لقد حاولنا.. ويمكن أن أستخدم هنا ضمير الجماعة، وتعبير ورؤية صلاح جاهين الرائعة عن (شرف المحاولة)، بحيث يمكن القول بجرأة إن شرف المحاولة ليس بسيطا.. وليس سهلا، فأن تحاول، يعني أنك ترفض وتستمرّ لكي لا تكون ضحية ليأسك ولأعدائك، وما أكثرهم. لم تكن هناك قابلية للمحو.. وهذا أمر رائع.. ولا للموت السريع.. وهذا أمر رائع.. ولا للموت السريريّ، وهذا أمر أروع، وظل الحفاظ على الحياة قائما في الاستمرار لا التراجع.
من الجميل دائما أن لا يكون الاستسلام كلمة في قاموس الضحايا، لأن في ذلك معضلة الجلاد. حين تقول له الضحية: أنا لا أستطيع أن أموت، لا على هواك، ولا على هوى هذا الظلام العربي، ومعه عدونا الصهيوني، الذي كلما أحس بأن شمعة أضاءت حرّك نحوها فرق دبابته وأسراب طائراته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

