القُدس.. النصف الذي لم ينصفنا

مدونات - فلسطين
من قبل قيامها عام 1948تصبُّ إسرائيل ثقلها في القُدس، ففي عام 1918 أنشأ اليهود الجامعة العبريّة، تبعها كثير من المؤسسات الرسميّة بعد اعلان الدولة، أهمها البرلمان الإسرائيليّ ومحكمة العدل العليا. ومنذ قيامها تخنقُ إسرائيل المقدسيين عبر ممارساتٍ عدّة وتهوّد الأرض، المتشددون اليهود يعتدون على الفلسطينيين في كل مكانٍ ليس فقط في باحة المسجد الذي يدخلونه استفزازًا، الأجواء السياسيّة حارّة هناك يوميًا ولكن لم يكن يكترثُ أحد بتفاصيل حياة المقدسيين، فهي معاناة لم يكن يعيشها سواهم في حين غضت فيه السلطة الفلسطينيّة بصرها عن القدس.

وبعكسِ مقولاتها ومطالبها بالقدس الشرقيّة عاصمةً لها، لم تعمل السلطة الفلسطينيّة شيئًا لتحقيق هذا، بل على العكس، لقد بنت جميع مؤسساتها في رام الله، وكان هذا اعترافًا صريحًا منها "نحن لا نريد القُدس، يمكننا استبدالها بأيّ عاصمة أخرى لنا، المهمّ أن نقيم دولتنا ومؤسساتنا، الأهميّة ليست في المكان" وبهذا رضتْ "الدولة الفلسطينيّة" المفترضة بغير القُدس عاصمةً لها، والأهم من ذلك أنّ السلطة الفلسطينيّة فضّلت النأي بذاتها عن معاناة المقدسيين كل يوم وتركتهم في الهشيم يتقلبون ألمًا لوحدهم.

ورغم كميّة الاستفزاز الذي حمله خطاب ترمب، إلّا أنّه كان محقًا حين استند في خطابهِ مبررًا أحد أسباب اعترافه بالقدس عاصمةً لإسرائيل بقوله أنّ "القدس اليوم هي مقرّ الحكومة الإسرائيليّة الحديثة وبها البرلمان، المحكمة العليا، انها مقرُّ رئيس الوزراء ورئيس الدولة، وهي مقرّ عدد من الوزارات التابعة للحكومة أيضًا".

undefined

ما أراد قوله ترمب أنّ القدس فعليًا عاصمةً لإسرائيل دون حاجة لاعترافه، لأنّ إسرائيل اجتهدت في بناء القدس وتأسيس عاصمتها هناك، فإسرائيل لم ترض بتل أبيب- رغم تطورها الصناعيّ والاقتصاديّ- عاصمةً لها بل أصرّت على القدس وهي تفعل كل ما بوسعها لتحقق هذا، وعلى عكسها لم تفعل السلطة الفلسطينيّة أي شيء لتثبت نفوذها هناك أو حتى للدفاع عن المقدسيين، بل كانت تعزز دومًا المؤسسات الحكوميّة والإدارية والاقتصاديّة في رام الله.
لقد أُرغم الفلسطينيون في النكبة على التخلي عن كلّ شيءٍ في قراهم ومدنهم، لقد نكبوا بكلّ فظاظة، العصابات الصهيونيّة فتكت بالإنسان كما بالأرض، وفلسطين كمجتمعٍ قرويّ كان الإنسان فيه يعتاشُ من أرضهِ التي شكّلت لديه كافة موارده المعيشيّة، العمليّة، البيئيّة، كانت هي العمل والطعام والحارة والجيران والقرية، في عالمٍ ضيقٍ وواسع في آنٍ واحد عاش الفلسطينيون حتى هجروا قسرًا، خسارة الأرض كانت تعني كل شيءٍ للفلاح الفلسطينيّ.

القدس هي مسألة كرامة الإنسان الفلسطينيّ وفيها تتلخصُ أسمى معاني نضالهِ نحو حرّيته التي يريد، الحرّية التي حاولت كافة السلطات تقييدها والتقليل من شأنها

بعد خسارة كل شيء التهمت إسرائيل الأراضي الفلسطينيّة أكثر وأكثر مع كل هزيمة عربيّة، وفي كلّ مرّةً طمح فيها الفلسطينيون نحو السلام وجدوا ذلًا أكبر من سابقهِ ينتظرهم، كانوا يتخلّون في كل مرّة عن جزءٍ ما منهم ويرضون بالأقلّ، فحتى المفاوضات من أهم أسسها أن تطلب أكثر مما تطمح له حتى يكون لك بعد التفاوض ما أردت نيله، فالمفاوضات تقضي بتنازل الطرفين قليلًا لإيجاد حلٍّ يرضيهما ولكن لم يدخل الفلسطينيون هذه المفاوضات إلا وهم يطمحون بالفتات، بالقدس الشرقيّة وها هم خرجوا بدونها، صحيح أنّ هذا لم يحدث بالمفاوضات، ولكنّ ما فائدة المفاوضات إن كانت اميركا تقرّ ونحن نفعل؟ هذا لأنّ سقف مطالب القادة لم يعد يراعي كرامة الشعب بل أهوائه ومصالحة الشخصيّة. ومع هذا رضي الفلسطينيون بجزءٍ من أرضهم ليقيموا دولتهم فيها، الدولة المحتلّة، ورضوا بنصف قدسٍ، ولكن يبدو أنّ الأنصاف لم تنصفهم أيضًا.

وهنا أقول: القُدس أرض التراب المبتلّ دمًا وعرقًا حتى الغرق من أجل خصوبة الألم، ميلادُ الموت هناك حين يطلقُ جنديٌ ذخيرتهُ بأكملها في جسد طفلٍ أعزل، حيثُ ينادي كلّ شيءٍ بالصمت في حضرةِ العجز كلّ يوم، ومع هذا يصرخون دون كلل "القُدسُ لنا". تتواطأ الأنظمة العربيّة لتبيع القُدس، "هنيئًا" لقد اتّمت الصفقة قبل الإعلان عنها، بل وباركت وهللت وهي تومأ رأسها خلسةً عن شعبها كي لا يراها أحد وهي تهمس لجارتها إسرائيل "ألف مبروك" بينما تندد بخجلٍ علنًا، هذا إن تمنّعت، فبعضُ الشعوب ثوب الحياءِ خلعت ومن القُدس تبرّأت وهي ترتدي ثوبُ "شريف مكّة".
وبالرغم من أنّ اسم القُدسِ وحدهُ مرآةً لتاريخها المُقدّس، فهي ليست قضيّة صلاةٍ لدقائق فحسب، كما أنّ القُدس لا تنحصر بمسجد، أو كنيسة، إنّها أعمق من أن تكون حجرًا، هي مسألة كرامة الإنسان الفلسطينيّ وفيها تتلخصُ أسمى معاني نضالهِ نحو حرّيته التي يريد، الحرّية التي حاولت كافة السلطات تقييدها والتقليل من شأنها، كما أن امتهان كرامة الإنسان الفلسطينيّ واستغفاله أصبحت نهجًا لدى من يمثلونه أيضًا، غير مقتصرة على العدوّ فحسب.

الشعوب المقهورة والمظلومة لم تتوان يومًا بالبحث عن قوتِ يومها منذ الأزل، ليس الطعام، بل قوت الكرامة والمساواة والحريّة
الشعوب المقهورة والمظلومة لم تتوان يومًا بالبحث عن قوتِ يومها منذ الأزل، ليس الطعام، بل قوت الكرامة والمساواة والحريّة

يتشكّلُ وعي الشعوب عبر الزمن بالمعرفة الآنيّة المتراكمة من الماضي، من الطبقات الاجتماعيّة والسياسيّة السائدة، من الأنظمة الديمقراطيّة أو الاستبداديّة الحاكمة، من رغيف الخبز، أو حتى قطع الكعك التي أمرت الملكة ماري أنطوانيت بأكلها ردًا على الجوع الذي كان يفتك بأمعاء الفرنسيين، فما كان من الشعبِ خاوي الأمعاء إلا أن يثور على الملكة بعد يومٍ واحد من وليمة كبيرة كانت قد أعدتها الملكة ماري في قصرها، رافق هذا بذخ كبير وفساد على نفسها ومقتنياتها وملابسها الفارهة، فكان مصيرها أن تفرّ من القصر لتصبح سجينة ومن ثم اعدامها بالمقصلة.

إنّ الشعوب المقهورة والمظلومة لم تتوان يومًا بالبحث عن قوتِ يومها منذ الأزل، ليس الطعام، بل قوت الكرامة والمساواة والحريّة، وإن كانت كل هذه المفاهيم في وجدان الفرد متعلقة بحياتهِ الخاصّة أكثر من كونها قيمًا سياسيّة مثلى لذاتها، والتي يسمى من خلالها لنيل كرامتهِ الإنسانيّة قبل كل شيء. وبهذا أسقطت الثورة الفرنسيّة أسس الحكم الملكيّة وأسست النظام الجمهوريّ ومبدأ فصل السلطات وفصل الدين عن الدولة ومبادئ المساواة وحرية التعبير وألغت الممارسات الاقتصاديّة الإقطاعيّة السابقة ورغم اختلاف الآراء حول فسادها، فقد كانت الملكة ماري إحدى أسباب هذه الثورة الكثيرة بعد أن تم اتهامها بالتجسس لصالح النمسا.
إنّ الخبز لم يكن يتعلقُ بالأمعاء وحدها ليثور الشعب، لهذا ُأسس من انعدام حقوقهِ نظامًا جديدًا له مازالت الدول الغربيّة تعتبرهُ مرحلة تاريخيّة هامّة في نشأتها وتطورها. ومن هنا اختتم حديثي عن القُدس وإن اختلف التشبيه والعصر والأدوات والحالة، إلّا أنّ مدينة القدس ليست قضيّة أرضٍ أو حجرٍ كما يراها البعض، القُدسُ لا تنحصرُ في مسجدٍ أو كنيسة، بل هي قضيّة الكرامة الإنسانيّة الفلسطينيّة التي تآكلت جدران أمعائها الخاوية، ولكنها تريدُ أن تمتلئ نشوةً بالعدالة والكرامة والانصاف حتى تستريح.