أطباء وعساكر

blogs المستشفي الميداني

في سنة 1922 وُلد الطفل فريد وديع حداد، لأب شامي وأم سويدية. استقرت أسرته في مصر، قبل ولادته، خلال الحرب العالمية الأولى. دأب والده الطيب على التطوع لعلاج المصريين من الفقراء في شقته، التي كانت أيضا مقرا لعيادته في شارع شبرا. وكان هذا الاختيار الراقي نابعا من التزام إنساني عام، دون أن يقترب الوالد من عالم السياسة بأي حال.

 

أما الابن فريد فاختلف عن والده. ظل عضوا ملتزما في الحزب الشيوعي المصري، فاعتقل سنة 1948؛ سنة تخرجه، وسنة وفاة والده، لكن أُخليَ سبيله لعدم كفاية الأدلة. كان ذلك قبل انقلاب ضباط يوليو على الملك سنة 1952، فكان للنظام القضائي المصري نوع من الاستقلال والالتزام بالتقاليد القضائية. ولئن أصبح الابن مستقلا عن أبيه في تعاطيه مع السياسة، فقد أشبهه في عمله بالطب، وفي التزامه الإنساني بعلاج المرضى الفقراء.

 

تزوج فريد شابة فلسطينية سنة 1947، وأنجب منها ثلاثة من الأبناء. افتتح عيادة بمصر الجديدة لعلاج المرضى متوسطي الحال، مع استمراره في علاج الفقراء بعيادة والده بشبرا. يحكي نجله الدكتور وديع فريد للدكتور يوسف سميكة أن والده كان يصطحب أطفاله في زيارات للريف، فكان الفلاحون يخرجون لاستقباله حفاوة به. يرجح ابنه أن هذه الحفاوة إما لأنه كان يعالجهم مجانا، أو لأنه كان يشارك في ندوات تثقيفية لهم، فقد كان فريد حداد يترك أطفاله في مسجد القرية خلال الزيارة. يذكر إدوارد سعيد في كتابه "خارج المكان" أن فريد حداد تعرض لضغوط نفسية قوية من أسرته في سنة 1958، لوجود خطر محدق به، بسبب نشاطه الحزبي، لكن الطبيب الشاب مضى في طريقه.

 

حرص علاء عبد الهادي وهو طبيب مصري شاب على التطوع بعلاج مصابين أو مرضى دون مقابل، فدفع حياته ثمنا لموقف سياسي إنساني نبيل
حرص علاء عبد الهادي وهو طبيب مصري شاب على التطوع بعلاج مصابين أو مرضى دون مقابل، فدفع حياته ثمنا لموقف سياسي إنساني نبيل
 

في ليلة نوفمبرية باردة من سنة 1959، (بحسب رواية ابنه: في أكتوبر) اختطفه مجهولون، واقتيد إلى سجن القلعة فعُذّب، ثم اقتيد مع معتقلين آخرين إلى ليمان سجن أبو زعبل، حيث سأله الضابط: "انت شيوعي يا ولد؟" فأجابه بأنه مصري مؤمن بالاشتراكية، اتهمه الضابط بأنه شيوعي "مصنوع في روسيا" فنفى وأصر على مصريته. في رواية أخرى، أن الضابط أمره أن يهتف بسقوط الشيوعية فأبى، فأمر زبانيته بالتنكيل به. لم يحتمل رأسه المتخم بالأفكار والأحلام ضرب الهراوات فتهشمت جمجمته.

 

لماذا غضب الضابط كل هذا الغضب لأن إنسانا أصر على ألا يخاف، فنطق بما آمن به حقا؟ كتب طبيب السجن تقريرا طبيا ملفقا بأنه مات نتيجة لهبوط في القلب، ثم سلموا جثمانه في نعش مختوم بالشمع الأحمر، وأشرفت الشرطة على دفنه في النعش المغلق. رُفض طلب أسرته بتشريح الجثة، وأقيمت حراسة على قبره كي لا تفكر الأسرة في طلب استخراجه وتشريح جثته.

 

في منتصف ديسمبر سنة 2011، حلم بعض الشباب المصري باستكمال ثورة يناير وتحقيق مطالبها. اعتصم بعضهم أمام مجلس الوزراء المصري، فقامت قوات من الشرطة والجيش بفض اعتصامهم بعنف وحشي، تحت أعين المجلس العسكري الذي كان يدير ما سماه بالمرحلة الانتقالية، التي كانت انتقامية بمعنى ما.

 

في الثانية والعشرين من عمره، اندفع طبيب شاب أيضا اسمه علاء عبد الهادي ليعالج مصابي الأحداث. فمنذ ثورة يناير، لزم علاء المستشفى الميداني في التحرير، وشارك في مظاهرات الثورة، اعتُقل يوم جمعة الغضب ثم أطلق سراحه، فانطلق إلى الميدان قبل العودة إلى بيته.

 

قبل استشهاده بساعات كتب على صفحته على الفيس بوك: "أما أنزل أشوف إيه إللي بيحصل هناك.. استرها معانا يا رب". يبدو أنه لم يذهب للتظاهر مع أنه حق مشروع له، بل ذهب لعلاج المصابين.. مرة أخرى يحرص طبيب مصري شاب على التطوع بعلاج مصابين أو مرضى دون مقابل، فيدفع حياته ثمنا لموقف سياسي – إنساني نبيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط:

 طبيب الغلابة الدكتور فريد حداد (1922 – 1959)

أغنية لم تكتمل

الشهيد «علاء عبد الهادي».. طبيب الميدان

"علاء عبد الهادي".. شهيد الثورة الحي

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان