لعلَ الحدثَ الأبرز لهذا العام لم يكن سقوط بعض الرموز السياسية كما كنا نعتقد ولا الكوارث البيئية ولا المجاعات والفقر المدقع في معظم مناطق العالم! فقد كانت قنبلة الولايات المتحدة الأمريكية التي فجرتها هي حديثُ أكثر من نصف سكان العالم، فقد أعطى دونالد ترمب صفعة مؤلمة للعالم العربي لن ينساها التاريخُ مدى الدهر، اعترف ها هو أخيراً بالقدس عاصمةً لإسرائيل ضارباً بذلك الأحلام الفلسطينية عرض الحائط، قتل ذاك الرجل القضية الفلسطينية بضربة واحدة أو كما تسمى بالحلبات الرياضية القتالية "الضربة القاضية"!
الكثيرُ يتساءل ماذا يعني هذا الاعتراف وما هي النتائج المترتبة عليه في حال نقلت السفارة الأمريكية للقدس؟ في حقيقة الأمر ان نقل السفارة يعني، أولاً: عدم إشراك القدس في أية مفاوضات فلسطينية إسرائيلية قادمة للتسوية. ثانياً: لا وجود لما يسمى الأن قدس شرقية وغربية هي قدس واحدة اصبحت حكراً لإسرائيل. ثالثاً: يحق لإسرائيل طرد السكان الفلسطينيين في مدينة القدس باعتبار أنها عاصمة إسرائيلية وهي ذريعة واضحة سيستخدمها ليدعم هكذا مشروع. رابعاً: احتكار كافة الرموز والمؤسسات الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية كالأقصى والكنائس لإسرائيل بحيثُ يصبحُ الفلسطيني مجردَ سائح بدلاً من قومي. خامساً: يحق للاحتلال هدم المسجد الأقصى للبحث عن الهيكل المزعوم.
والأمر الثاني الذي لا يقلُ أهمية هو أنه في حال أقدمت معظم الدول نقل سفاراتها للقدس ذلك يُشكل اعترافا رسمياً من هذه الدول بأن القدس هي عاصمة لإسرائيل وهذا ينقل طبيعة الصراع السياسي القومي من أحادي إلى جماعي فينبغي حينها ان يتنازل العالم بأجمعه عن هذا القرار بدلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فقط في الوقت الراهن. نعم نعلمُ بأن الولايات المتحدة الأمريكية بقرارها هذا لا تمثلُ إلا نفسها فقط وأنها لا تمثل المجتمع الدولي بأكمله ولكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب على السلطة الفلسطينية أن تقوم بقطع الطريق أمام أي محاولات أمريكية إسرائيلية من شأنها جرُ المجتمع الدولي إلى الاحتذاء بأمريكا في نقل السفارة عن طريق التنديدات القانونية في المحافل القانونية وفي بيان أثرها المترتب على عدم احترام المعاهدات الدولية بين أطراف الصراع وفي مظلومية الفلسطيني على حساب الإسرائيلي في تبعية القرار المجحف بالقضية الفلسطينية.

ويجب أن نتساءل الأن أيضاً ماذا ينبغي على السلطة الفلسطينية القيام به غير التنديدات والخطابات الرسمية وما هي مطالب الشعب الفلسطيني بعيداً عن الرؤية السياسية للقيادة الفلسطينية؟ طالب الشعبُ الفلسطيني القيادة الفلسطينية بإحلال اتفاق أوسلو عام 1993 والعودة للكفاح المسلح المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية وأن تكون المقاومة هي المتحدث الرسمي للمطالب الفلسطينية للعدول عن هذا القرار، وطالبوا بوقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي وقفاً تاماً ونهائياً.
يبدو أن السلطة الفلسطينية تتدارس هذه المطالب ويبدو أيضاً أنها متخوفة قليلاً من هذه المطالب ونتيجتها التي من الممكن أن تكون سلبية على القضية الفلسطينية حيثُ أن الرجوع للكفاح المسلح والعمليات التي ستقوم بها المقاومة دفاعاً عن القدس من الممكن ان يعتبرها المجتمعُ الدولي إرهاباً والذي سيعطي تعزيزاً لوجوستياً سياسياً لصالح كفة إسرائيل واعتبار أن إسرائيل ضحية وبالتالي يكون هناك إجماع عاطفي دولي لدعم القرار الأمريكي وتأييده.
وفي زاوية الصراع الأخرى وبين غطرسة الاحتلال وتآمر أمريكا وجدَ الفلسطينيين صمتاً عربياً قاهر لمشاعرهم الفياضة بحب القدس وقداستها، حتى أصبح الكثير من العرب يتساءل بتنمر على الفلسطيني "لماذا تُحملونا ذنبكم وقضيتكم ولماذا ينبغي علينا نحن أن نحل جميع مشاكلكم وكأننا المذنبون والخائنون"! حسناً سأجيبكم لماذا نحملكم مسؤوليتنا يا أشقائنا، نحنُ شعبٌ يدرسُ الشهادة للأطفال منذُ الصغر ولا ندرسهم حب المال والطعام، نحنُ شعبٌ لا يخلو فيه بيتٌ فلسطينيٌ واحد من شهيدٍ أو أسير في سجون الاحتلال، وعلى الرغم من أننا عزلُ السلاح مقارنةً بإسرائيل إلا أننا روينا بدمائنا وإرادتنا قضية بطولة يرويها التاريخ لكم وللعالم.

نحنُ لا نكرهكم ولا نحملكم المسؤولية ولكن دعونا نتفكر في شيء مماثل، ماذا لو سُرقت مكة واعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لإسرائيل بحكم القوة! ألن تطالبوا العرب بالوقوف معكم وستتهمونهم بالخيانة إذا لم يلبوا النداء؟ ألن تعاتبوهم؟ ألن تقولوا بأننا فقدنا أقدس ما نملك وأنتم لا تبالوا؟ وهكذا نحن فقدنا أقدس ما نملك فقدنا هويتنا وتاريخنا فقدنا شهدائنا وأمانينا، خارت قوانا ونحنُ نناجيكم حتى ملت المناجاةِ من قبضة أياديكم.
رغمَ ذلك لو أصابكم ما صابنا لماتت شهدائنا على أبوابِ الكعبة دفاعاً عن حرمتها، لربما لا تعرفون الفلسطينيين بعد، إليكم أمراً لربما غفلتموه نحنُ لا تحكمنا سياسات ولا تحركنا مخططات نحنُ فقط أوفياء لعروبتنا ولمقدساتنا المشتركة. نحنُ لا ننكرُ الجميل ولا نعضُ اليد التي مُدت لنا نحن نشكركم على كل ما قدمتموه من دعمٍ لنا نشكرُ معاليكم كبيراً وصغيراً ولكن لا نشكركم على صمتكم إزاء القدسِ فلا تخلطوا بينَ شكرِ الأمس وعتابَ اليوم حتى تنيرُ بصيرتكم باستيعاب الموقف ومضمونه.
فإذا ماتت عروبتكم فأرجو ألا تموت ضمائركم! أغيثوا ذاك العصفورُ الطائر، عصفورُ السلامِ الذي كسرت جناحيه، فقد كان جناحه الأيمن يحملُ عليه الأقصى وجناحه الأيسر يحملُ عليه الكنيسة، كان يجوبُ السماء فرحاً ويطعمُ أبنائهِ صموداً وصبراً، كُسرت جناحيه فهوى أرضاً ما عاد يستطيعُ الطيران ولا الحراك، تدمعُ عيناه على جراحه وكسوره وينظرُ إليكم مختبئاً من أن تدوسه متطرفة صهيونية لم تبلغ من العمرِ عشرين عاماً، ينتظرُ أمه لتنتشلهُ من الموت وتعيده لعشه الدافئ وتُلئم كسوره حتى يحلقَ يوماً ما من جديد، ليقبلَ قبة الصخرة في الصباح وكنيسةَ القيامة في المساء وليطعمُ أبنائه من جديد، فلا تتركوه وحيداً حتى لا يشتكيكم للسماءِ إذا رحل، فسيظلُ كابوسه يلاحقُ ضمائركم ويشنقُها عند مكب النفايات.
أو تعلمون ما اسمُ ذاك العصفور! ومن هي أمه ومن هم أبنائه؟ العصفورُ اسمهُ القدس والأمة العربية هي أمة ونحنُ الفلسطينيين أبنائه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

