بين فنتازيا الدراما ومطرقة الواقع

مدونات، أرطغرل

لا يكاد يخلو بيت من مشاهدة أحد الأعمال التلفزونية التاريخية، لاسيما الدراما التركية، وعلى رأسها: نهضة أرطغرل، وعاصمة السلطان عبد الحميد الثاني. ولا يجادل أحد بما لهذه الدراما من فوائد مع ما يطحن العالم العربي والإسلامي من الحروب والهزائم المتتالية منذ سقوط الخلافة الإسلامية بداية القرن العشرين؛ ففي نهضة أرطغرل تصوير مبدع لعهد السلاجقة وبدايات تأسيس الدولة العثمانية، وهي فترة تاريخية يشوبها الكثير من الغموض والتعمية، ويجهلها أكثر الناس في العالم العربي والإسلامي، مع خيانات وقعت أيامها تتكرر في أيامنا تتغير فيها أسماء الخونة فحسب.

وفي مسلسل السلطان عبد الحميد تألّق كبير في تصوير سيرة الخليفة المظلوم وكيف حفظ الخلافة العثمانية لثلاثة عقود بحنكة يفتقدها حكّام اليوم مع كل ما كان يهدد دولته والخلافة أيامها، لكنه كما وصفه المؤرخ التركي مصطفى أرمغان: أحسنَ الرقصَ مع الذئاب لأكثر من ثلاثين عاماً، وقضى رحمه الله دون أن يفرّط في فلسطين لحساب الصهاينة الذين عرضوا عليه أضعاف ما يدفعه للصهاينة اليوم بعض الأعراب.

لا يكفي أن نجلس أمام الشاشات ودموع الفرح والعزة تجلو عيوننا ونحن نرى أرطغرل يذلّ الصليبيين ويضرب هام المغول، ولا يكفي أن نكبّر ونصيح عندما يطرد السلطان عبد الحميد هرتزل

فأبى وقال كلمته المشهورة، كما يذكرها هرتزل نفسه في مذكراته: "لا أقدر أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد؛ لأنها ليست لي، بل لشعبي. ولقد حصل شعبي على هذه البلاد بإراقة دمه، وقد غذّاها فيما بعد بدمائه أيضاً، وسوف نغذّيها، بل لن نسمح لأحد باغتصابها منا. فليحتفظ اليهود بملايينهم، أما إذا سقطت الدولة العثمانية وتم تقسيمها فقد يحصل اليهود على فلسطين بلا مقابل". وفعلاً حصل اليهود على فلسطين بعد السلطان عبد الحميد رحمه الله دون مقابل.

إلى ما يقف عليه المشاهد العربي المهزوم الخجول من حكّامه والواقع العربي في المسلسل من معاملة الندّ مع بريطانيا العظمى وتركيعها في أكثر من موقف، ومن ازدراء أمريكا التي كانت حتى عهد السلطان عبد الحميد تدفع الضرائب لدولة الخلافة العثمانية لأكثر من ثلاثين سنة وكانت تتلقى المساعدات الإنسانية من دولة الخلافة في نوائبها ولا ترفع أمامها رأساً.

كل هذه وغيرها من مواقف تُعيد للعربي المهزوم نفسياً الخجول من حكّامه الواقفين في طوابير العمالة لأمريكا وروسيا وأوروبا الأذلاء لها، والدافعين فوق هذا من قوت شعوبهم ثمن عمالتهم. ولكن، أتكفي المسلسلات لنهضة الأمة واستعادة المقدسات؟ أيكفي الوقوف بالأطلال لتنبعث في الحياة كما كانت تضجّ بها في بكائيات الشاعر العربي القديم؟

أم نصدّق كلام موشي ديان في العرب: "يميل العرب إلى خداع أنفسهم وخداع غيرهم، وهم يقومون بذلك عن غير عمد؛ إنهم يعيشون في عالم من الأوهام، كالذي يتعاطى الحشيش ليوهم نفسه بأنه يعيش في الفردوس. ويميل العرب إلى التحدث عن أمجاد الأجداد مثل صلاح الدين ومعارك حطين واليرموك، وحينما يفعلون ذلك فإننا نبتسم؛ لأنهم يرون أنفسهم في مرآة الماضي. أما نحن فإننا نراهم في مرآة الحاضر. ليتهم يسألون أنفسهم: لماذا يتحدثون دوماً عن عظماء ماضيهم ولا يجدون في حاضرهم أحداً من العظماء يتحدثون عنه"؟

لا يكفي أن نجلس أمام الشاشات ودموع الفرح والعزة تجلو عيوننا ونحن نرى أرطغرل يذلّ الصليبيين ويضرب هام المغول، ولا يكفي أن نكبّر ونصيح عندما يطرد السلطان عبد الحميد هرتزل ومن يأتي به ويساعده ويركّع بريطانيا العظمى بحنكته. صحيح أن الذهبي رحمه الله ذكر أن سير الرجال مصانع الأبطال، لكنّ هذه الأعمال ما لم تدفع الشعوب العربية لقراءة تاريخها أولاً قراءةً واعيةً، وتحملها على معرفة الحق والخطأ للعودة للحق وتجنّب الخطأ، فما هي إلا أفيون للشعوب اختاره لها الحكّام بعناية فائقة.

إننا، الشعوب العربية والإسلامية، مُطالَبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالصحوة، وألا نكتفي بالمتعة في مشاهدة الأعمال البطولية للأجداد

فكم من مشاهدي نهضة أرطغرل حفّزهم المسلسل على قراءة تاريخ تلك الفترة؟ وكم من مشاهدي عاصمة عبد الحميد هبّوا لمعرفة تلك الحقبة التاريخية المهمة في تاريخنا؟ التاريخ مدرسة للتعلّم؛ وليس للعرض الدرامي، ولا للتسمّي بأسماء أبطالها، فأرطغرل لم يؤسس دولته في عمل تلفزيوني، ولا الخليفة عبد الحميد حفظ للخلافة مقامها ولفلسطين الحبيبة عذريتها بالتمثيل؛ بل بالعمل الجاد الدؤوب.

ولن يوقف ترامب ويجعله يصحو من سكرة جنون العظمة، ولا يرعب الحكّامَ مسلسلٌ من هنا أو فيلمٌ من هناك، ولا وثيقةٌ من مئة عام ننفض عنها الغبار اليوم، بل عودةٌ للأمة إلى دينها وأصالتها، لنكون كما كان عبد الحميد وترجع أمريكا البعيدة بعيدة عنا بخيرها وشرها. لأن المعتصم عندما صرخت المرأة المأسورة في عمورية، ردّ بجيش خلع أوله أسوار عمورية وأطلق المرأة المظلومة وآخره عنده في بغداد. ولأن عبد الحميد ردّ على هرتزل وقد عرض عليه ملايين تسدّد عن دولة الخلافة ديونها وتضمن له ولسلالته عيشة ذهبية لأنه آمَنَ أن الأرض والعِرض سواء ومَن باعَ أرضه هان عليه عرضه، وأن ما كان للشعب فليس للحاكم أن يتنازل عنه.

إننا، الشعوب العربية والإسلامية، مُطالَبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالصحوة، وألا نكتفي بالمتعة في مشاهدة الأعمال البطولية للأجداد، مُطالَبون أن نغيّر من أنفسنا حتى يغيّر الله ما نزل بنا، مطالبون أن نبذل أقصى ما يمكننا قراءةً وعلماً وعملاً لنعود كما كنّا فيعود الحق الذي كان لنا، مُطالَبون أن نربّي أولادنا على الأصالة لينشأ جيل يعرف تاريخه ويعتزّ بماضيه لينطلق منه إلى المستقبل؛ وليس أن يرجع إليه للبكاء على أطلاله فذاك مذهب للشعراء قد مضى بأهله، ويعرف واقعه ليعمل على تغييره للأفضل لا أن يتغيّر هو ليوافق واقعه.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان