ظلت عبارة اكذب ثم اكذب ثم اكذب ماركة مسجلة على غوبلز وزير إعلام الرايخ الألماني هتلر، الذي نحت هذا المصطلح من أجل أن يصدقه الشعب الألماني وغير الألماني يومها، اليوم يكرر فلاديمير بوتين نفسه وليس وزير إعلامه الأمر ذاته بإعلانه عن ثلاثة انسحابات لقواته من سوريا خلال عام تقريباً، كان آخرها إعلانه الانسحاب من على ظهر قاعدة حميميم الروسية بالساحل السوري، بعد أن أعياه على ما يبدو وجود بارجة عسكرية روسية تليق بإعلان نصره على تنظيم الدولة والتبشير بمرحلة جديدة في مكافحة ما يصفه بالإرهاب والإرهابيين.
البنتاغون سارع إلى التشكيك بالانسحاب وأمر خفض القوات الروسية هناك، وفي ظل الافتقار إلى معلومات كافية وواضحة عن عدد وتسليح القوات الروسية في سوريا، ونوعية هذه القوات فإن مسألة سحبها أو عدم سحبها، ثم إدخالها من جديد لا معنى له، ولكن الواضح أن إعلان الانسحاب الجزئي قد يشكل ضغطاً على القوات التي يرى الكرملين أن وجودها غير شرعي في سوريا ومنها القوات الأمريكية وحتى التركية التي يطالبها بالتنسيق مع النظام السوري في أمر انتشارها بالشمال السوري، ولعل هذا ما يفسر مسارعة وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو للتأكيد على أن النظام السوري غير شرعي وأنه لا يمكن أن يكون جزءاً من المرحلة الانتقالية في سوريا، وكأنه رد تركي واضح على أن تركيا لا ترى فيه رئيساً شرعياً يتم التنسيق معه في سوريا، وهو ما درجت عليه أمريكا لاحقاً.
حين تدخل بوتين في سوريا عام 2015 كان الهدف المعلن للتدخل هو منع تغيير نظام الأسد وهزيمة تنظيم الدولة، اليوم يرى الروس أنفسهم وقد انتصروا على تنظيم الدولة وهزموه وهو ما لا يشاطرونهم إياه الأمريكيون، أما الأسد فلا أحد يستطيع أن يقول خرج منتصراً، في ظل استحالة عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثورة الشامية، فالكل يدرك حجم التحول الذي طرأ وتحول جيش النظام السوري إلى مليشيات متصارعة تفتقر إلى الرأس في كثير من الأحيان..

استطلاعات الرأي الروسية تشير إلى أن نصف الرأي العام الروسي متخوف من الوجود الروسي هناك، ولعله ما يفسر مسارعة بوتين إلى الإعلان عن الانسحاب قبيل انطلاق الانتخابات الروسية، فالرأي العام بحسب آخر الاستطلاعات فإن أكثر من نصفه يخشى من انزلاق روسيا إلى أفغانستان جديدة، ظهر ذلك بتصاعد الضحايا الروس أخيرا، في معركة وصفت بأنه الأقرب إلى بداية حرب عصابات تتعرض لها القوات الروسية.
الغنائم السورية بالنسبة للقوى المنطقوية والدولية غدت واضحة فإسرائيل اللاعب الرئيسي الخفي يصر على إبعاد القوات الإيرانية عن حدودها بعمق 25 كم، مع ضمان عدم تسلحها بأسلحة نوعية معينة، إضافة إلى عدم توريدها لأسلحة وصواريخ محددة لحزب الله، أما روسيا فهي معنية بالوجود في الساحل السوري ودعم العصابة الطائفية بالشام كونها الآن تحولت إلى منتدب حقيقي لحماية الأقلية العلوية في الساحل وربما تمتد الحماية إلى غيرها من الأقليات، أما الأمريكيون فظاهر لعبتهم حرب تنظيم الدولة وحقيقته مناكفة تركيا عبر دعم قوات سوريا الديمقراطية وخنق تركيا جيو_ سياسياً، ويبقى اللاعب التركي في الشمال يسعى إلى الحضور من أجل تطويق غلاة الكرد، ومنعهم من إقامة دولة تزنّر حدودهم وتفصلها عن الجار السوري.
في هذه الأثناء لا يزال مفاوضو المعارضة في جنيف يأملون في إحراز تقدم وهم يقدمون التنازل تلو التنازل، ويرون مقابله الانحياز الكامل للوسيط الدولي ديميستورا لصالح العصابة الطائفية في دمشق، مع تقزيم كل أشكال التفاوض إلى مجرد دستور وعقد انتخابات ربما تعقد عام 2021 بمشاركة طاغية الشام.
يبقى اللاعب الحقيقي الذي بإمكانه قلب الطاولة هي الفصائل الجهادية والثورية المدعوة اليوم إلى التنسيق فيما بينها والتنازل عن كبريائها وغرورها لصالح ثورة شعب، على أن تدفع هذه الفصائل على الأرض بجسم عسكري وثوري وسياسي مقره في الداخل وفي الداخل فقط من أجل أن يمثل مليون شهيد وأكثر من 12 مليون مشرد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

